ثورة تشرين والاستحواذ على السلطة - وكالة أخبار العرب | arab news agen
ثورة تشرين والاستحواذ على السلطة
  • الخميس, يونيو 10th, 2021
حجم الخط

الكاتب /

ثورة تشرين والاستحواذ على السلطة
بقلم: أ.د عبدالرزاق الدليمي

التغيير عملية حتمية رافقت المجتمعات الانسانية الحية وقد تكون في مقدمة الأسباب وراء قيام الثورات فى العالم حيث تسعى الشعوب لاحداث التأثير المتكامل في العوامل السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي تؤدي بالنتيجة الى قيام الثورات،التي حدثت في التاريخ القريب وستحدث وأنها جميعا كانت ستقع لا محالة وبالرغم من ذلك ليس من الممكن إطلاقا التنبؤ بموعد حدوثها مع ملاحظة ان الحالة الثورية قد تأخذ ابعاد اجتماعية او سياسية او اقتصادية او ثقافية او جميعها رغم أن هذا النوع من الحالة الثورية هو الاندر.

تميز القرن الماضي بحدوث سلسلة من عمليات التغيير وبدأ معظمها فى شكل حركات شعبية بعثت على الأمل والتفاؤل داخليا وخارجيا، الا ان كثير منها تحولت وبالا على شعوبها بعد ان تسبب قادتها بخلق ألازمات الاقتصادية ومارسوا القمع سياسى وفشلوا في ادارة الحراك الاجتماعى.

يبدو ان ادارة بوصلة النجاح في عمليات التغيير لابد وان تمر من خلال تحقيق الثورة الاجتماعية فى حين أن معظمها فشل فى تحقيق الأهداف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التى قامت من أجلها، فالعبرة ليس بالنجاح في الوصول إلى الحكم والاحتفاظ به وانما في إطلاق عملية تؤدى إلى التحول في البنية الاجتماعية العميقة.

أن دراسة اسباب ومبررات الثورة بشكل عام يكتنفها الخلاف النظرى والسياسى، وعلى الاغلب، تبدأ مؤشراتها مع سحب الفئات المثقفة دعمها للأنظمة القائمة، كما تحجم الدولة عن اجراء الإصلاحات، وتتفاقم الأوضاع بسبب ألازمات تتسبب بها السلطات الحاكمة وليس بسبب نشاط المعارضة، وتظهر الصراعات بين المجاميع التي تدفع الى واجهة السلطة، فيما تكون أول مجموعة تستولى على السلطة من الفاشلين وتدير ظهرها للشعب، ثم يبدأ المتنورين في التصدي للسلطات الفاقدة للشرعية عبر محاولات جادة لاحداث الاصلاحات ،وعندما لا تجد الشعوب اذان تسمعها وعقول تتفتح لها تلجأ الى الثورة والتشدد بعد أن تفشل فى دفع السلطات الباغية في تنفيذ المطالب الشعبية بالقدر الكافى، وهنا تبدأ محاولة تثوير المجتمع وقيادته لتحقيق تغييرات تنظيمية وأيديولوجية في حين تزداد اخطاء السلطات وتندفع بغباء لاتخاذ تدابير قسرية حاسمة للحفاظ على السلطة وكبح جماح الماهير التي تطالب بأبسط حقوقها المشروعة.

واذا ماتناولنا الاحداث التي رافقت مسيرة 18 عام من الاحتلال نجد ان النصيب الاكبر كان للاحتجاجات السياسية المنطلقة من الابعاد النفسية والحرمان والعوز مقابل تمتع فئات طفيلية شاذة طارئة بأوضاع اقتصادية مرفهة مع تسببهم في حدوث تراجع المادي اقتصادى اجتماعي ثقافي خدمي امني ….لابد حتما ان يؤدى إلى ثورة شعبية ناهيك عن حجم اختلال التوازن الذي أوسس داخل المجتمع العراقي واساءة توجيه جزء لايستهان به من الشعوب وتجعله أكثر ميلا إلى تفضيل الهرطقات والغيبيات على حساب متطلبات حياته الاساسية خاصة وان الفئات الضاله من دعاة السياسة تصر على عدم الموازنة في مجمل العوامل التي تجعل من الثورة خيارا اوحد لكل الشعب ، ولذلك اصبحت الثورة ضد النظام ومؤسسات الحكم،حقيقة واقعة بعدما اصاب الاقتصاد العجز نتيجة النهب والفساد المنظم وتردي وتخلف الواقع السياسى وغياب الثقافة، وتدمير الدولة وتخريب البنى الاجتماعية، وأخيرًا العوامل الداخلية والخارجية المؤثرة كلها مبررات لهذه الثورة.

وتعد اوضاع العراق (لما يتمتع به من موقع جيوستراتيجية رئيسي فى النظام الدولى) بعد احتلاله نموذجا مثاليا لسبر أغوار العلاقة بين النظام والدولة التي فرضها الاحتلال وبين والشعب العراقي الذي فرضت عليه عوامل عمق التاريخ والحضارة والثقافات التي نتجت عنهما من جهة وبين الامكانيات الاقتصادية من الثروات البشرية والطبيعية والجغرافية والدورالسياسى القيادي بدلا من التركيز على عامل واحد منفرد كما هو الحال فى المجتمعات الاخرى، وتقوم ظاهرة الثورة الشعبية في العراق على عدة مبررات ابرزها خصائص الدولة غير المستقلة ،القمعية ،الإقصائية ،المُشَخْصِنَة، في مواجهة قوة وارادة وفعالية القوى السياسية المناهضة لها وحدوث ألازمات نتيجة التراجع الاقتصادى، وتأثيرات القوى الاقليمية والعالمية وضرورات مناهضة الاحتلال ألاجنبى ، ولذلك فأن هدف الثورة الاجتماعية مكافحة ديكتاتورية الاحتلال بكل اشكاله والتخلص من اتباعه وذيوله الذين باعوا انفسهم لشهواتهم وحبهم للمال الحرام والجاه وتأثيرهم سيئ الصيت على العراق لاسيما مايقدمونه من خدمات للمحتلين وما يخلقونه من تقسيم للمجتمع الواحد إلى عدة مجتمعات.

ان حالة الفشل الثورى وارتداد الثورة يعنى ان مهمة الثوار ليس الاستيلاء على السلطة فقط بل اطلاق مشروع لتحول الاجتماعى العميق،وكم من الثورات نجحت فى البداية، ثم فشلت في ان تصبح ثورة اجتماعية، لاسيما أن تطور الأحداث والظروف التي ستواجهها الثورة من قبل اعداء الشعب ستدفع نحو التأزيم، كما يمكن ان ترتد تحت وطأة التناقضات الداخلية والضغوط الخارجية وقد يكون ذلك مصحوبا بالعنف أحيانا، بسبب ارهاصات واقع المرحلة السابقة الذي فرضته السلطات العميلة للاحتلال ، والثورات الممنهجة لابد وان تخطط بشكل سليم لاستثمار وجودها في الحكم لتحقيق ثورة اجتماعية كاملة، وتجاوز حالات التشرذم الداخلى الذي عادة مايكون متبوع بتدخلات خارجية ومحاولات الارتدادات البطيئة بالتوازى مع التدخل الخارجى والحروب المفتعلة وربما الانزلاق الى بعض الممارسات التي كانت احد اهم مبررات قيام الثورة وقد تساعد بعض حالات الفشل من حيث تأثير التنمية غير المستقلة وتشكل الثقافات السياسية المعارضة والتراجع الاقتصادى الداخلى والفرص التى توفرها الظروف الاقليمية والدولية المواتية للارتداد على الثورة.

أن ثوار العراق ومعهم كل الشعب لابد وان ينتبهوا الى محاولات اعداء العراق في احداث التفكك السياسى ومحاولات الاستقطاب الاقتصادي والتدخل الخارجى الدولي الامريكي البريطاني والاقليمي وابرزه تدخلات النظام الحاكم في طهران كل ذلك يحدث فى آن واحد وبشكل تعزيزى تبادلى أو بشكل يدعم فيه كل من هذه الاطراف الآخر بشكل تخادمي، كما ان وجود هذا النوع من التدخل الخارجي قد يرتد على الثوار وذلك من خلال استخدامها لبرامج منسقة مضادة للثورة قد تؤدى إلى زعزعتها ومنها بجعل الثوار يخسرون فى الانتخابات أو بالدفع الى مهاجمة الشرعية السياسية للثوار واستخدام وسائل علنية وسرية لتقويض المشروع الثوري فى أعين شعوبها، أو بمنح مساعدات كبيرة للأحزاب التي تهيمن على الدولة وكذلك لضباط الجيش والاجهزة الامنية القمعية وللقوى المعادية للثورة.

أن الثورات والانتفاضات التي شهدها العراق بعد احتلاله صنعتها ارادة ووعي الحشود الجماهيرية وهدفها احداث تغيير سياسى كبير، اضافة الى التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التى تنتج بعد نقل السلطة الى ممثلي الشعب.، صحيح أن تجارب الشعوب علمتنا ان نتائج الثورات السياسية تختلف من مجتمع إلى أخر وذلك مرده الى أن الهياكل الاجتماعية التى صنعتها التنمية غير المستقلة فى بعض هذه التجارب إضافة إلى الدعم الخارجي للمواقف السياسية المناهضة للثورة وهذا يبرز عادة في المجتمعات التي تتمتع بمواقع جيوستراتيجية رئيسية فى النظام الدولى كالعراق كما اسلفنا كما أن هذه الحالة ستلقى مزيدًا من الضوء على أهمية العوامل والشروط التى يجب توافرها لحدوث الثورات في العراق مستقبلا.

تعيش ثورة الشعب العراقي حالة تتفاعل تتناقض فيها مع نظام احتلالي يحاول إضفاء شرعية على نفسه دون أن يخفف قبضته على السلطة، والبطش غير المبرر ضد معارضيه برغم نشاطهم السلمي وهذا دليل على فشل النظام وسلطاته القمعية وعدم قدرته على أن يجد الطريق السليم للتعامل مع القوى المناوئة لهذا النظام ونعتقد جازمين أن سلطات الاحتلال في العراق تتبع طريقا محفوفا بالمخاطر من خلال اتباع سياسات فوقية والذى شهدت البلاد خلالها تراجعا كبيرًا وواضحًا في البنى الاجتماعية فى كل انحاء العراق على حد سواء،اضافة الى أحكام السيطرة على النظام السياسى مستخدمين الانتخابات بدهاء للبقاء فى الحكم عبر التزوير المنظم وتفير الغطاء الدولي لشرعنة نتائج الانتخابات .

 

مواضيع قد تعجبك

أترك تعليق

إستفتاء جاري حاليا