انفجار في دمشق وقنبلة موقوتة في جنيف - وكالة أخبار العرب | arab news agen
انفجار في دمشق وقنبلة موقوتة في جنيف
  • الخميس, أكتوبر 21st, 2021
حجم الخط

الكاتب /

أسفر تفجير إرهابي بعبوتين ناسفتين صباح اليوم لحافلة تابعة للجيش عند جسر الرئيس في العاصمة دمشق عن 14 قتيلاً وعدد من الجرحى.

وأشارت “سانا” إلى أن الجهات المختصّة قد فككت عبوة ثالثة كانت مزروعة في المكان الذي وقع فيه التفجير الإرهابي الذي استهدف الحافلة. عادت الحياة إلى طبيعتها عقب إزالة آثار تفجير الحافلة، إلا أن شيئاً لم ولن يعود إلى طبيعته في 14 بيتاً سورياً على أقل تقدير، ممن طالتهم هذه المأساة الأليمة.

على الجانب الآخر من الأزمة السورية، وفي مدينة جنيف السويسرية، حيث تنعقد الجولة السادسة للجنة الدستورية السورية، تقدم وفد الحكومة السورية بمبدأ عنوانه “سيادة الجمهورية العربية السورية واستقلالها ووحدة أراضيها”، فيما تقدمت المعارضة بمبدأ يحمل عنوان “الجيش والقوات المسلحة والأمن والاستخبارات”. كذلك وردت تسريبات عن عناوين أخرى لورقة مبدأ دستوري حول “سيادة القانون” تقدم بها وفد المجتمع المدني، وورقة مبادئ تتعلق بـ “الإرهاب”.

وكان يوم أمس قد حمل بوادر إيجابية تمثّل في نقاشات موضوعية بنّاءة وجو من المسؤولية، إلا أن ما حمله اليوم هو توترات في الأجواء، اختلفت نهائياً عمّا كان عليه الوضع بالأمس، واندلعت خلافات حادة، تناسى معها أعضاء الوفود “الدستورية” الثلاث الهدف من قدومهم إلى جنيف، وهو مناقشة المبادئ الدستورية، وليس التفاوض بين وفدي المعارضة والنظام. فقضية مثل “محاربة الإرهاب” لا تندرج تحت أي بند من البنود من نقاشات الدستور الجامع الذي يتوافق عليه السوريون. من ناحية أخرى، لا تمتّ قضية “المعتقلين والمختفين قسرياً” بأي صلة لمبادئ الدستور، ولا للشؤون التي يتعيّن على اللجنة الدستورية النقاش بشأنها. تلك قضايا حوار بين الحكومة والمعارضة، لا قضايا دستورية متخصصة تناقشها لجان متخصصة في هذا الشأن.

إن ذلك مدعاة لاستغراب شديد، لما يمكن أن تصل إليه الأمور من انعدام للمسؤولية، على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي بأسره، في وقت يقع فيه انفجار مدوٍ في دمشق، يدل على خلل أمني، وخلاف سياسي يحمل أبعاداً خطيرة، تشير بأصابع اتهام إلى جهات يائسة جبانة، أو ربما ذئاب منفردة، لا يزيدها الوضع المتأزم والعجز عن التوصل إلى تسوية سياسية إلا اشتعالاً واستدامة.

وبدلاً من التكاتف والتعاضد والتنسيق، نرى في أروقة جنيف مزايدات وطنية بين “ممثلي الشعب السوري” من فرق المعارضة والنظام والمجتمع المدني، بينما يتبارى هؤلاء حول معاني “السيادة” و”الدولة” و”الوطن”، دون وعي وإدراك للمهمة الأساسية التي جاؤوا من أجلها إلى جنيف، وهي وضع أسس دستورية جديدة، تكون بمثابة جسر تنتقل عبره هياكل النظام الحالي إلى سوريا جديدة تحتضن كل السوريين. ولا يعني ذلك أبداً إنهاء دور القائمين على السلطة اليوم، كما لا يعني تسلّم المعارضة للحكم في سوريا، وهو ما لا تستوعبه الأطراف التي يجب أن تترفع عن انتماءاتها السياسية، وتعمل بنزاهة وحرفية على مبادئ دستورية جامعة، لا تفرّق وإنما تجمع السوريين باختلاف أطيافهم ومشاربهم. على أن يكون لكلٍ دور في مستقبل الحكم بسوريا من خلال وزنه وتأثيره في البرلمان الجديد، الذي سينتخبه السوريون في وجود مراقبين دوليين وبإشراف من هيئة الأمم المتحدة.

كذلك يتعيّن على القيادات والمسؤولين في دمشق، وعلى الرغم من كونهم القوى المنظمة الأكثر تأثيراً وتحكّماً في مقادير البلاد حالياً، أن يدركوا استحالة بقاء الوضع على ما هو عليه، وأن يعوا أن خروج سوريا من أزمتها الوجودية الحالية، لن يكون سوى من خلال التجاوب مع الجهود الدولية، والسعي إلى تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254. فالسير على نفس الدرب الذي تعوّدوا السير عليه والتلاعب والمماطلة والتسويف قد أصبحت جزءاً من ماضٍ، لن يسمح أحد بتكراره أو استمراره.

وبعد أن اطلعت على المبادئ التي قدمتها المعارضة والنظام، بدا لي وكأن من قام بصياغة هذه المبادئ عاجز عن إدراك حساسية الوضع الراهن، وكأنه يتعمّد إثارة الخلاف ورفع درجة التوتر في الاجتماعات بهدف عدم التوصّل إلى أي تفاهمات.

لم يحرز اليوم في جنيف أي تقدم على مسار التفاوض الجاد والمهني بشأن مبادئ الدستوري السوري الجامع، وحادت الخطابات السياسية بمسار المفاوضات عن جادتها القويمة، وعن النصوص الدستورية التي ينتظرها الشعب السوري، بدلاً من التفجيرات التي تودي بحياة أبنائه.

نتمنى ألا تتكرر هذه الأجواء التي لا يمكن وصفها سوى بـ “غير البناءة” على أقل تقدير، وأن ينجح المجتمعون في التوصّل إلى اتفاق ولو على بعض الأسس التي تمهّد لعملية الإصلاح الدستوري، التي يستند على أساسها استمرار عمل اللجنة الدستورية، حتى لا تذهب الجولة السادسة من اجتماعات اللجنة الدستورية أدراج الرياح، وتلحق نتائجها بنتائج الجولات السابقة. وهو ما لا يجب أن نسمح به أبداً.

 

بقلم: رامي الشاعر

كاتب ومحلل سياسي

مواضيع قد تعجبك

أترك تعليق

إستفتاء جاري حاليا