بعد أن استوطنت فيّ بغداد - وكالة أخبار العرب | arab news agen
بعد أن استوطنت فيّ بغداد
  • الجمعة, ديسمبر 4th, 2020
حجم الخط

الكاتب /

بقلم: نزار السامرائي
كانت منطقة كرادة مريم ضمن مخطط تطوير مدينة بغداد على أسس حديثة كي تضاهي عواصم العالم الراقية، فقد اختيرت ليُبنى فيها البلاط الملكي، وكذلك مبنى مجلس النواب، فتم اختيار منطقة الكاورية ومعناها باللهجة العراقية غطاء الرأس وتلفظ “بالجيم باللهجة المصرية”، وكرادة مريم تبدأ من الصالحية ثم تليها الشوكية ثم تأتي بعدها الثعالبة وبعد تجاوز جسر الجمهورية تأتي منطقة البيرمانية، وهي المنطقة التي تقع فيها وزارة التخطيط والمجلس الوطني، ثم تأتي العباسية ثم منطقة أخرى لم أعدّ أذكرها، ويقع فيها بيت نوري السعيد ومنزل السفير البريطاني ومشتمل صغير للأمير عبد الإله، يأتي إليه في مواعيد غير منتظمة لغرض ممارسة التزلج على الماء في نهر دجلة، ومنزل حامد قاسم شقيق اللواء الركن عبد الكريم قاسم، ونهاية الكاورية عند الجسر المعلق ثم أم العظام، أما تسمية المنطقة بالكاورية فيعود إلى أن نهر دجلة الذي ينحدر إلى بغداد من شمالها وليودعها جنوبا، عندما يخترق بغداد يتلوى ربما هنا لا أجد ما أصفه به إلا كأفعى صاخبة، وما كنت أُريدُ لدجلةَ الذي أعشقها بجنون السنين أن أصفه بهذا الوصف.
تُروى قصص معبرة وذات مغزى عن حرص الملك فيصل الثاني، عند الحديث عن شراء الأرض المخصصة للبلاط الملكي خاصة، فقد حكى لي صديقي الكرادي القديم الذي وقع في الأسر المقدم شهيد الأسر مؤيد البيرماني الابن الأكبر لطبيب النساء المشهور في عقد الخمسينيات الدكتور غازي البيرماني، أن الأرض تعود لورثة الأسرة التي جاءت من الحلة لتُقيم في بغداد واشترت أراض واسعة في كرادة مريم.
أُنيطت مهمة شراء الأرض بنوري السعيد، فاستدعى نوري باشا وكيل الأسرة الدكتور غازي البيرماني وهو قريب المرحوم سعدون الذي اتُهم بالضلوع في محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم، استدعاه لغرض التفاوض معه بشأن الأرض، لأن الملك فيصل الثاني عندما عرف أن الأرض مملوكة لورثةٍ وليست لشخص حي، أصرّ على الاطمئنان بنفسه على أن الورثة سيقبلون بالثمن الذي عرضته عليهم الدولة، لاسيما وأن المشروع الذي أُريد أن يُقام عليها هو مشروع للبلاط الملكي، سكناً ومكاتب.
لم يكن الدكتور غازي البيرماني يعرف أن أرض الكاورية مادة لنقاش داخل مجلس الإعمار، وخاصة أن الدولة عندما تريد استملاك أرض، فإنها تُقدم على ذلك من دون استئذان أو أخذ رأي أصحاب العقارات المشمولة بالاستملاك، لأن هذا النوع من العقود يسمى بـ”عقود الإذعان”، ولهذا عندما دخل الدكتور غازي على الباشا كان مرتبكا إلى حد واضح، فطمأنه الباشا وبدأ يتلاطف معه وقال له “دكتور مالي أراك خائفا”؟ “قال له باشا لست خائفاً ولكن تصور نفسك وما هو شعورك عندما يستدعيك نوري باشا وأنت لا تعرف السبب”؟ فضحك نوري باشا وقهقه عاليا لهذه الطريقة الراقية في إيصال الرسائل السياسية، قال له اسمع دكتور، وقع الاختيار على جزء من أرضكم ليكون قسمٌ منها مقرا لمجلس النواب والقسم الأهم والذي استدعيتك من أجله مقرا للبلاط الملكي، فقد أصرّ سيدنا “يقصد الملك” على التوثق من سلامة عقد الشراء عندما علم أن الأرض تعود لورثة، وقد قرر مجلس الإعمار سعرا لمتر الأرض ولكن سيدنا رفض هذا التقدير وأراد التوثق من قبولكم به عن طيب نفس، فقال الدكتور بعد أن عرف السعر المقدر هو ديناران، أنه وباسم الأسرة على استعداد للتبرع بالأرض مجانا من أجل عيون صاحب الجلالة، فقال له الباشا إن الأرض مخصصة للدولة وليست للملك وشكره على موقفه هذا، ولكن الملك فيصل الثاني رحمه الله طلب من مجلس الإعمار زيادة السعر دينارا ليطمئن قلبه إلى أنه سيُقيم في مُلكٍ غير مغتصب بسبب الحياء، وهذا ما حصل، وأخبرني الشهيد المقدم مؤيد البيرماني الذي تأسر في عمليات الطاهري في أيار 1982، عندما كان أمرا لإحدى كتائب دبابات الجيش العراقي الباسل بعد أن نفد عتاد دباباته وأصيب عددٌ منها، أن التعويض الذي حصلوا عليه فاق كل تصوراتهم، لأن سعر المتر الواحد في نهاية الأربعينيات ومطلع الخمسينيات في كرادة مريم لا يصل إلى نصف دينار، ولكن الدولة عندما تريد أن تتوزع الثروة على المواطنين بشكل متوازٍ تلجأ إلى الاستملاكات وبتعويضات مجزية.
بسبب الآفاق المستقبلية لهذه المنطقة، فقد حرصت وزارة المعارف “التربية” فيما بعد، على إقامة فعاليات يوم الشجرة والذي يصادف يوم 21 آذار من كل عام، فيُأتى بطلبة المدارس وعلى دفعات لغرس الأشجار في المنطقة ويتم تحديد مناطق الغراس كي لا تزحف على مناطق البناء، كان تلاميذ المدارس الابتدائية يقفون على جانبي الطريق لتحية الملك عندما يأتي إلى منطقة الاحتفال الذي تتم فيه زراعة الأشجار، أما طلبة الثانويات والكليات فيتولون زراعة أشجار يؤتى بها من مزارع الدولة.
ولكن كل تلك الفعاليات لم تكن مثيرة كما حصل يوم 2 أيار 1953 يوم تتويج الملك فيصل الثاني ملكاً على العراق، فقد تم إبلاغُنا في المدرسة أن نكون جاهزين للمشاركة في الوقوف على طريق مرور المواكب الجماهيرية التي سحرتني بجمالها الأخاذ عندما تم تحوير الشاحنات الصغيرة وتزيينها بالزهور البيضاء والحمراء وتجلس فيها فتيات جميلات كأنهم جزء من تلك الزهور، وكان يوما مشهودا لبغداد لم تشهد له مثيلا من قبل وربما لم يعرف له العراقيون قبل هذا اليوم مناسبة احتفلوا بها كما احتفلوا في هذا اليوم، ولكن العراقيين حافظوا على طبعهم المغروس في أعماقهم فانقلبوا على النظام الملكي وقتلوا الملك الشاب مع النساء وقد رفعت إحداهن القران الكريم فوق رأس الملك ولكن نزعة الدم والقتل لم تأخذ للقران أي اعتبار فقتلوه بطريقة أقل ما يقال فيها إنها وحشية بامتياز، كانت المواكب تمر في شوارع بغداد وكل موكب يحكي قصة حضارة من حضارات العراق بالتعاقب، ولكن أياً منها لم يمر على حوادث القتل والتصفيات في تاريخ العراق الحافل بمثل هذه الأحداث الدموية.
كانت مدرسة دار السلام قد استعدت للاحتفال بهذا اليوم بما يليق بها وبما رسمته لنفسها من صورة جميلة وسمعة جيدة في مستواها التعليمي، فتم اعداد الطالبات لارتداء الملابس البيضاء تعبيرا عن الرغبة في تحويل المناسبة إلى عرس وطني، أما الطلبة فتم إبلاغهم بارتداء قميص أبيض وسروال “بنطلون” رمادي، وحُدد لنا الجانب المقابل لجامع الحاج مظهر أحمد الشاوي الذي لم يكن قد اكتمل بناؤه بعد، وعندما اكتمل البناء افتتحه الملك فيصل الثاني بنفسه عام 1958 وربما كان ذلك يوم 2 أيار وكنت من بين الحاضرين في تلك المناسبة، على العموم كنا نلوح لمواكب الحضارة العراقية بحماسة كبيرة، وعلى الرغم من طول وقت وقوفنا في الشارع فإننا شعرنا وكأننا معنيون بهذه المناسبة وبأننا نؤدي واجباً وطنياً.
لم يكن هناك بث تلفزيوني في العراق كي نرى ماذا حصل وكيف أدى الملك اليمين الدستورية وأمام من أو كيفية ذلك، ولكن كانت هناك جريدة سينمائية تجمع أحداث الاسبوع وتعرضها في دور السينما التي لم أكن ارتادها إلا في حالات نادرة جدا، عندما يبدأ عرض الجريدة السينمائية يعُزف السلام الملكي فيهب الحضور للوقوف احتراما لرمز بلادهم، ثم تبدأ الصور بالعرض تباعا عن فعاليات الملك والحكومة وحسب تسلسلها اليومي.
وانتهت الفعالية بهدوء وعدنا إلى مقاعد الدراسة استعدادا للامتحانات النهائية، كنت تلك السنة قد وصلت إلى الصف الثالث الابتدائي، وكنت على يقين من أنني سأحقق النجاح وبتفوق، كنت استعجل نهاية العام الدراسي على أحرّ من الجمر، إذ مضت مدة طويلة لم أذهب إلى طويبة للقاء أبي وأمي وأصدقائي، خاصة طلاب الصفين الخامس والسادس لأستعرض أمامهم معلوماتي عما تعلمته من اللغة الانكليزية، وأذهب إلى الشط لممارسة هوايتي المفضلة، السباحة.
أنهيت الامتحانات بشعورٍ مبكرٍ بالنجاح ولكن عمي عبد الرحمن أقنع عمي شامل بألا يسمح لي بالسفر إلى “العرب” هكذا كنا نسمي طويبة، قبل أن تظهر النتائج، ربما كان عمي يتمنى ألا أجتاز الامتحان بنجاح كي يُبقيني في بغداد، ولكن ظهرت النتائج وكان تسلسلي ثانياً بعد يعقوب بنيامين، ولهذا بدأت استعدادات السفر، ولكن ما أقصد باستعدادات السفر، كان العيد قريبا ولهذا اشترى لي عمي شامل ملابس كاملة بما فيها الحذاء من باتا.
وانتظرت وقتا طويلا كان يمر ببطء شديد حتى تهيأتْ سفرةٌ من بيت الحاج جاسم السامرائي إلى طويبة بعد أن أبلغتهم جدتي بأن يأتوا لأخذي معهم، وعندما أعطوني موعد سفرهم، ليلتها لم أنم الليل انتظارا للقاء أمي وأبي، وعند الصباح ولما تأخروا في المجيء ظننت أنهم تركوني وسافروا، فقلت لجدتي اتصلي بهم، ولما اتصلت قالوا لها إنهم تأخروا لأسباب خارجة عن إرادتهم، المهم عند منتصف نهار قائظ جاءت السيارة فحشرت نفسي في حيز ضيق جدا فيها، المهم أن أصل طويبة مهما عانيت من متاعب السفر، وبعد استراحة في محطة وقود “أبو سعدي” في بلد كانت أطول وقت مرّ بي استأنفنا السفر، ووسط طرق متربة مع عرق يتصبب واختلط بالغبار الذي يتسلل إلى داخل السيارة التي كادت أن تخنقنا من فرط حرارتها، تغيرت أشكالنا وكأننا خرجنا لتونا من مقالع لإنتاج الرمل والحصى، شعرت بسعادة لهذا الوضع فسوف يكون سببا للسلام على أمي أولا ثم الهرب إلى دجلة مستغلا عدم عودة أبي من العمل إلى البيت.
رحبت بي أمي واحتضنتني بقوة الشوق والفراق، وكذلك فعلت شقيقتي الكبرى، أما شقيقتي الأخرى أم عمر فكانت صغيرة العمر إذ لم تبلغ السنتين بعد، وبعد وقت وجيز وجدت نفسي مع حبيبتي دجلة التي أراها في بغداد ولا أستطيع تأدية فروض المحبة والعشق لها.
لم أتأخر لأنني شعرت في داخلي بأنني إن واصلت السباحة في الشط فقد يثير في نفس أمي شيئا من الكراهية لدجلة التي تشاركها قلب ابنها، وقلت في نفسي “لا بأس الأيام طويلة وسأنجح في توزيع الوقت بينهما بالتكافؤ”.
مرت عدة أيام وأنا بين بستان الحاج جاسم، وبين بيت جدي بدر واحتفاء خالاتي بقدومي، وبين الشط وبيتنا، وأنا في غاية الحبور والانشراح، وذات يوم أربعاء وعندما كنا مجموعة نريد التسابق سباحة للوصول إلى الحويجة “الجزرة الوسطية الفاصلة بين طويبة والضلوعية” قفزنا جميعا في أوقات متقاربة إلى النهر، فقطعت أكثر من ثلاثة أرباع المسافة، أحسست بتشنج عضلي منعني من الحركة، فصحت على رفاقي طالبا منهم المساعدة، فهبوا جميعا لنجدتي، ولكن أبا دبيلة “خلف” كان له الفضل بعد الله بإنقاذي من الغرق، وأخذني بنفسه محمولا على ظهره إلى أمي التي لم تسمح له يوما برؤيتها أو تكليمها طيلة أكثر من ثلاث سنوات، وقالت له حينها غيّب عني وجهك، فوقف أمامها الآن بشموخ وقال لها “هل وفيتُ دَيني” بعد أن انقذت نزار من الغرق؟ نهضتْ إليه أمي وقبلّته وشكرته على حسن صنيعه.
تعود قصة عدم ارتياح عائلتي لخلف أبو دبيلة، أنه في عصرِ يوم قبل أكثر من ثلاث سنوات وعندما كان يرش الماء أمام مضيف الحاج جاسم السامرائي الذي سيستقبل الزائرين مع صلاة المغرب، أنني كنت قد بدأت النطق قبل برهة قصيرة، فكنت أريد أن أعلن رسميا أمام الملأ بأنني قد طلقت الخرس نهائيا وأنني أصبحت قادرا على الكلام مثلهم وربما أفضل منهم، فلم أجد غير أبو دبيلة لاستخدامه جسراً لهذا الغرض، فقدّت زمرة من الأطفال وتوجهنا نحو المضيف، كنا نهتف هتافا واحدا وبصوت عالٍ أمام من كان حاضرا هناك، “أبو دبيلة شايل ذيلة”، عرف أنني أقود مجموعة المشاغبين، حاول أن يرش علينا دلواً من الماء فهربنا منه، وحذرني وقال “إذا جاء عمي فاضل سأخبره بكل هذا” ولم امتنع، فإذا به يذهب إلى موقد القهوة ويستل “خاشوكة المحمّس الذي يُحمّس فيه البن حتى يتحول من اللون الأخضر إلى اللون القهوائي الغامق، ويبلغ طول هذه الخاشوكة نحو ذارع وتنتهي بنصف دائرة حديدية يبلغ قطرها حوالي 8سم، من أجل تقليب القهوة في المحمّس، وقذفها باتجاهي بكل ما لديه من قوة، ومن سوء حظي وربما من سوء حظه أكثر أن الطرف الحاد من هذه العتلة أصابني في صدغي الأيمن وعلى مقربة من عيني، فسقطت أرضا مغشيا عليّ ربما من الخوف أكثر من ألم الإصابة فالدم بدأ يسيل بغزارة، وتم نقلي إلى المستوصف وجاء الطبيب المرحوم عبد الكريم العلوش وعندما وجد أن جرحي عميق ولا يمكن أن يلتأم ما لم تتم خياطته، قالوا له افعل ما تراه صوابا، وعندما بدأت إبرة الخياطة تُغرز في منطقة الجرح أحسست بألم كبير كان قطعا أقسى من ألم الضربة، وبعد أن أنهى الخياطة وضمد الجرح بمهارة عالية لا تقل عن مهارة أي جراح اختصاصي، ذهبت إلى البيت الذي يبعد خطوات عن المستوصف ولكن محمولا، فرقدت في نومة عميقة لم أصحو منها إلا في اليوم التالي.
ثم علمت أن أبي عندما جاء من العمل، وعلم بما حصل لي، ذهب من توه إلى المضيف فسحب خلف أبو دبيلة بكل قوة وانهال عليه ضربا بكل ما يملك من قوة بل ومن قسوة، كاد أن يقضي عليه لولا تدخل أخواله الحاج مهدي والحاج إبراهيم والخيريّن من الرجال الذين عرفوا بما ارتكب أبو دبيلة من اعتداء لم يقدّر نتائجه.
كنت وأنا في فراش المرض أخشى من عقوبة أبي لي بعد أن أشفى من الجرح، ولكن مخاوفي لم يكن لها ما يبررها على أية حال.

مواضيع قد تعجبك

أترك تعليق

إستفتاء جاري حاليا