الفصيح الحصيف الفنان "عبد المجيد مجدوب" - وكالة أخبار العرب | arab news agen
الفصيح الحصيف الفنان “عبد المجيد مجدوب”
  • الجمعة, أبريل 30th, 2021
حجم الخط

الكاتب /

هو الممثل القدير، هو الفنان العصامي، هو صاحب الأداء المتميز، هو الذى اعطى للحرف العربي حقه ،هو الذى حبب اللغة العربية لأبناء الوطن العربي ،هو مؤسس الدراما اللبنانية في سبعينيات القرن الماضي هو عبد المجيد مجذوب بطل اروع المسلسلات الدرامية بلبنان .

مواهبه المتعددة وارادته القوية في تطوير الذات لتقديم الافضل والاجمل لجمهوره العريض من المحيط الى الخليج قادته للتجديد. تحضرني مقولة لاحد الحكماء تصدق عليه يقول صاحبها :”ان اعظم بناة العالم ممن امتازوا بكبر القلب وصدق الشعور وقوة العزيمة اكثر ممن امتازوا بسعة العقل و قوة الادراك “. آجل! فقلبه يتسع لحب العرب على اختلاف اوطانهم وثقافتهم واعرافهم؛ مما دفعه الى الاجتهاد وبذل اقصى الجهود لصقل مواهبه وتعزيز قدراته ليكون عند حسن ظن الجميع .نعم ! لقد اتقن عمله الى درجة الاحسان، عملا بقول رسول الله عليه ازكى السلام : “ان الله يحب من احدكم اذا قام بعمل ان يتقنه” ، فابدع وامتع واقنع؛ وكانت نتيجة هذا الجهد، ذلك الاعجاب غير مسبوق وفى ظرف وجيز اصبحت اعماله موضع اهتمام واحترام.

إن كتابة هذا المقال في حق هذه الاسطورة الفنية ما هي الا اعتراف ولو جزءي لفضله علي وعلى الملايين في الوطن العربي. ولا ازعم انى املك المعلومات الكافية ولا الكفاءة اللازمة  للحديث عن عطائه المتميز لمدة نصف قرن والذى خلف بصمة فارقة في حياة أجيال وأجيال لازالت تحن الى اعماله بشغف وتعترف له بالتميز.

إننى لست بناقدة فنية ولا صحافية متمرنة في هذا المجال. لكن أملي أن يوفق بعض الدارسين بالمعاهد العليا للتمثيل في تقديم اطروحات علمية تتناول جميع جوانب مسار الاستاذ بالتفحيص والتمحيص ؛ لأنه قدوة صالحة  في زمن نحن أحوج ما نكون اليه من الفنانين الملتزمين الراقيين و الجادين في أداء رسالتهم على اكمل وجه .

أولا: من الاهمية بمكان، أن نعود الى ولوجه الى العالم الفني والذى لم يخطط له من قبل، وأن كانت لديه ميولات من هذا القبيل  منذ طفولته، لكن كل ميسر لما خلق له.

لقد شاءت الاقدار ان تغير مجرى حياته وتنقله من عالم التنقيب عن البترول الى عالم السمعي البصرى ليبدأ مشواره الفني في التمثيل. وهنا يتجلى عالم المصادفات في حياة الكبار او الحظ كما يسميه الاستاذ. ولولا تلك العصا السحرية التي قلبت الموازين، لكان عبد المجيد مجذوب المشهور هو عبد المجيد مجدوب المغمور الذى لا يعرفه احدا الا بلده و اسرته و اصدقاءه، شانه شان اي مواطن لبناني في المهجر.  ولا يسجل اسمه إلا في دفتر المواليد والسجلات الرسمية وما شابه ذلك. لكن القدر يسر له الرسالة التي خلق من اجلها، واثبتت حقائق التاريخ ،أن عبد المجيد مجذوب هو صاحب تلك الرسالة؛ فسطع نجمه في سماء الدراما العربية لا كسائر النجوم، وانما ذاع صيته في العالم العربي فاصبح اسمه مقرونا باللغة العربية الفصحى؛ ساعده في ذلك صوته الرخيم الصافي الجميل الذى يأخذ بالألباب ويستخرج منك العجب والاعجاب !

فصاحة في الكلام… فصاحة في النطق بالكلام… وفصاحة في موضوع الكلام وهي صفة تجتمع للكلام. وقد يكون الانسان فصيحا في الكلام، وفصيحا في النطق بالكلام، ولا تجتمع لموضوعه صفة الفصاحة السارية في الاسماع والقلوب .

اما فصاحة عبد المجيد مجذوب، فقد تكاملت له في جميع انواع الكلام، واتفقت الملايين من العرب على جمال نطقه مداخل الحروف ومخارجها وقدرته على ايقاعها في احسن مواقعها … أجل ! لقد اوتي جوامع الكلم. وهذه نعمة الاهية يؤتيها لمن يشاء. وكانت له مع الفصاحة صباحة ربانية ودماثة  خلق تبعثان على الارتياح. ففيه يصدق قول نبينا الكريم ص “تنبؤوا الخير في الوجوه الحسنة ” .إنه جمع على محبته اشخاصا بينهم من التفاوت في السن والمستوى الثقافي والفكري  والموقع الجغرافي ما بين جيل وجيل و قطر واخر. .

وقد يكون الانسان فصيحا ، صبيحا ،خلوقا ومحبوبا، ولا يكون له من ثقة الناس به نصيب كبير. ان الرجل المحبوب غير الرجل الموثوق به، لانهما في عنصر الخصال لا تتلازمان. والاستاذ مجذوب بأعماله القيمة وعطائه الغزير والمتنوع؛ من اعمال درامية ومسلسلات تاريخية و برامج ادبية شيقة كمحاكمات ادبية واحياء الشعر العربي، كان جامعا لهذه العواطف النبيلة و الصادقة من محبة الناس له وثقتهم به كأفضل ما تجتمعان ، لقد واصل مسيرته بخطى ثابتة واجتهد وعمل ما استطاع الى ذلك سبيلا ليبحث عن الافضل والاجمل .  نعم! بكل تأكيد، لقد وفق في جميع اعماله لأنها لاقت استحسانا واسعا في الوطن العربي. لقد قدم لنا الكثير الممتع النافع، وساهم بأعماله ذات القيمة و القدر في بناء الانسان الصالح والراقي، وخلف في نفوسنا جميعا صدى طيبا حيث كان لنا خير هاد للرجوع الى هويتنا بتحبيب اللغة العربية واكتشافنا روعة جمالها في وقت كاد الاستعمار الفرنسي ان يطمسها .

لكن هناك عامل غاية في الاهمية، وهو الايمان برسالته والحرص على نجاحها، وكان له ذلك ايضا، لان عبد المجيد مجذوب نراه دائما اكثر تألقا وتوفيقا بفضل فراسته القوية وذكاءه الحاد وجديته  وطموحه الكبير؛ لا يقدم على عمل الا بعد الدراسة الدقيقة والرضا عنه، ليكون في مستوى توقعات المشاهد ، لقد لاقت جميع اعماله قبولا فاق التوقعات، لأنه راعى جميع الاذواق وخاطب جميع العقول واحترم الاعراف؛ كان الاستاذ يجمعنا ولا نجد اي حرج في مشاهدة أعماله في حظرة والدي مثلا ؛ لقد كان رحمه الله يرى فيه النموذج الصالح لأبنائه من أنافه في المظهر النابعة من أناقة في الجوهر ولباقة في الكلام ورقي في المعاني وسعة في الثقافة  وعمق حضاري في السلوك من ادب وتهذيب …

أما فيما يتعلق ببعض الخصائص الشخصية للأستاذ فقد استخلصتها من خلال حواراته الاذاعية والتلفزيونية والصحفية؛ وإنني من منبر “وكالة أخبار العرب” الغراء التي تعنى بالشأن الثقافي ، أناشد المسؤولين عن الآمور الثقافية، ان تجمع هذه الحوارات في كتاب يحفظ بنسخة منه في كل مكتبات المعاهد الجامعية للتمثيل كمراجع اساسية للتكوين في هذا المجال .

أثناء الحرب الأهلية يحكي الفنان البارع أنه اصيب في رجله، ونقل على اثر هذه الاصابة الى مستشفى بالأردن . واهتز فرحا عند سماع صوت السيدة فيروز تتفقد أحواله… صحيح، أن السيدة فيروز مطربة عظيمة، لا أحد منا ينكر عظمتها. السيدة فيروز اكثر من فنانة، فهي عنوان القيم النبيلة، هي رمز العزة والكرامة العربية ورمز المقاومة ضد الكيان الصهيوني. إنها مطربة ملتزمة، وظفت الفن لخدمة القضايا الانسانية. وهي، أن كلمته، فهي تدرك قيمة الرجل تمام الادراك، لآن النفوس العالية لا تعشق الا النفوس العالية. فهما في المبادئ والقيم متساويان. لقد ساهما الاثنين، وبشكل كبير في بناء الانسان الراقي بتهذيب الاذواق وتنوير العقول وتزكية النفوس. وما تفاعله اثر مكالمتها الا دليل واضح على تواضعه الملموس، مع انه كان في ذلك الوقت ملء الاسماع والابصار، ولكن هكذا تكون انفس الفنانين الكبار، لا يعرف الغرور اليها سبيلا؛ بل كلما ازدادوا رفعة ومكانة زادتهم تواضعا واصرارا على الاجتهاد. والتواضع من شيم النبلاء والعلماء الذين رفعهم الله الى الرتبة الثانية بعد الملائكة “أشهد الله انه لا الله الا هو و الملائكة واولوا العلم ”  .

وبما أننا نتحدث عن العلم والمعرفة، فاستأذنا، إيمانا منه بالرسالة التي يحملها، كان واعيا أن القراءة وسعة الاطلاع هما السبيلان الوحيدان لأدائها على الوجه الصحيح. وإذا كانت القراءة مهمة في حياة الانسان بصفة عامة، فهي للفنان ضرورة من ضرورات ضمان مسيرته الفنية؛ بل هي الخلفية القوية التي يجب أن تكون وراء الفنان والممثل الناجح، لأنه من طبيعة الثقافة انها ترقى العقل والمشاعر. ومتى رقي العقل والمشاعر كان صاحبها أقدر على الابتكار والابداع لخلق المتعة والتشويق لدى المشاهد. أن عبد المجيد مجدوب قارئ نهم ولهذا قدم فنا مغذيا وراقيا، والعقل المثقف لا يلذه الا عرض مثقف يفيد ويمتع. ومن خصائصه الثقافية أيضا، اهتمامه بالشعر و الشعر يدل على الاخلاق كما قال سيدنا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه لعامة المسلمين : ” ارووا الاشعار فانها تدل على الاخلاق ”  وجاء في وصيته لابنه ” يابني احفظ محاسن الشعر يحسن ادبك ” .فهو لم يقل كلاما موزونا مقفى، ولكنه يحمل روح الشاعر ونفس الفنان الراقي الذى يتفاعل مع كل ما حوله فيبرز لنا تلك المشاعر الانسانية الرقيقة في أبهى حللها. وكم له من معانى صورتها صورة نثر وروحها روح الشعر: والامثلة كثيرة في اعماله.

وبحق، لا يستطيع أن يخدم الفن بهذا المستوى الرفيع إلا ذو نفس شاعرة كنفس الفنان القدير عبد المجيد مجدوب. لقد كان له استعداد فطري في استظهار الشعر العربي، قديما وحديثا، فاختار لنا من روائعه ما شنف مسامعنا عبر القائه المميز يحرك مشاعرنا وينفذ إلى قلوبنا بدون استئذان، فيقع موقعها من العقل والقلب معا … ولا عجب كما يؤكد بشار ابن برد في نونيته الشهيرة  :

” فالأذن تعشق قبل العين آحيانا “.

ولأديبنا احتفاء خاص بشعر ابى الطيب المتنبي لدرجة اقترن اسمه بهذا الشاعر العظيم. تراه يتغنى وينشده لنا في تناغم رائع مع وصلات موسيقية هادئة تبعث على السكينة والاطمئنان وسط مناظر طبيعية خلابة.

اما الخاصية الاخرى، فهي ذلك الحس الفكاهي الراقي والممتع والذى يطبع كل أعماله. وهذا الجانب اللطيف من الحياة يضفى على أعماله قيمة مضافة فتصبح أكثر متعة وتشويقا، وإن دل هذا على شيء، فإنما يدل على سليقته المطبوعة على الخيرية وخصاله الحميدة . فالفكاهة هي مقياس تلك الافاق النفسية الواسعة التي تشمل كل ناحية من نواحي العاطفة الانسانية .

ثم هناك أمر آخر على درجة من الاهمية كذلك، هو تغيير مفهوم الرومانسية الذى أصبح يشير إلى اللطف في المعاملة والكلام الطيب انطلاقا من قوله عز وجل ” ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتى اكلها في كل حين باذن ربها “والتهذيب والادب واللباقة وزيادة… كيف؟ لقد اثبت وبصفة تلقائية أن هذه القيم النبيلة والجميلة ليست وقفا على طبقة دون اخرى، وأن مرونة اللغة وتبسيطها يجعلها صالحة للشيوع والذيوع. وبطبيعة الحال، هو قام بتحسيس المسؤولين الذين بإمكانهم تعليم وترقية الشعوب ان كانت لديهم رغبة سياسية .

أما بيت القصيد، هو ذلك الاثر الطيب الذى غير مجرى حياتي، حيث كنا نحن جيل فجر الاستقلال ضحية الاستعمار الفرنسي، فأوهمنا أن اللغة العربية غير صالحة؛ وبالتالي أهملناها وركزنا على اللغتين الفرنسية والانجليزية، لأننا اقتنعنا بالفكرة وخصوصا ان المناصب كانت لا تخصص في ذلك الوقت إلا للفرنكفونيين؛ زد على هذا ان اساتذة اللغة العربية، ولا ابالغ، ينفرون المتلقي من الاقبال والاهتمام بهذه اللغة، إلى ان أراد الله بي وبجيلي والاجيال اللاحقة خيرا فتابعت الاعمال القيمة والهادفة للفنان الراقي عبد المجيد مجدوب، فأحدثت ثورة فكرية قادتنا الى حب لغتنا واكتشاف روعة جمالها، فقطعت وعدا على نفسي أن اهتم بها لأنني كنت بصراحة لا أكتب جملة واحدة بها وهنا تحضرنى مقولة للعالم الجليل ابن خلدون يقول فيها :”ان غلبة اللغة بغلبة اهلها وان منزلتها بين اللغات صورة لمنزلة دولتها بين الامم  ” فشرعت في القراءة باللغة العربية واكتشفت كنوزا من العلم والمعرفة لأثمن لها على الاطلاق استفاد منها طلبتي بالجامعة فضلا عن أسرتي وكما يقول ((JEAN JACQUES ROUSSEAU)) : “عندما تقرأ المرأة كتابا فكأنما رأه زوجها وابناؤها وأضيف طلبتها “…وعن جد، لقد كان لآثر الاستاذ امتدادا في الزمان والمكان، وإن كان أبى رحمه الله، وهبني حياة يشاركني فيها إخوتي، فالأستاذ عبدالمجيد مجذوب وهبني حياة أشارك فيها عظماء التاريخ البشرى من كتاب ومؤلفين ومترجمين من الثقافة العربية المغيببن في البرامج المدرسية. للاسف الشديد .. إذن ما علي إلا أن اعترف بالفضل لذوى الفضل علي وعلى أسرتي  وطلبتي والملايين في الوطن العربي.

وخير ما أختم به هذا المقال المتواضع في حق استاذنا الفاضل عبد المجيد مجذوب، قوله تعالى : “ان الذين امنوا و عملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ” وآية أخرى لأن الاستاذ يذكر عدة مرات الحظ : ” وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ” إنها من خصال خواص الخلق ينال بها العبد الرفعة في الدنيا والاخرة التي هي من أكبر خصال مكارم الاخلاق .

فالله اطلب له الصحة والعافية والسلامة من هذا الوباء وكل مكروه هو واسرته الكريمة والمزيد من العطاء لأن حياة العظماء لا تقاس بكمية السنين ولكن تقاس بكمية العطاء .

بقلم: نجاة بنونة

هيئة التدريس سابقا بالمعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي  الرباط المغرب   (INSEA)؛

التخصص الأنجليزية العلمية والتقنية  .

 

مواضيع قد تعجبك

أترك تعليق

إستفتاء جاري حاليا