اسماعيل السامرائي : الدولة العباسية في عصرها الثاني مراحل القوة والضعف والإستقواء | وكالة أخبار العرب | arab news agen
اسماعيل السامرائي : الدولة العباسية في عصرها الثاني مراحل القوة والضعف والإستقواء

  • الإثنين, نوفمبر 30th, -0001
  • 396 مشاهدة
حجم الخط

الكاتب /

الدولة العباسية في عصرها الثاني

مراحل القوة والضعف والإستقواء
ج1

بحث وتحقيق
الكاتب إسماعيل السامرائي

المقدمة

أردنا بهذا البحث أن نسلط بعض الضوء على المرحلة الوسطى والهامة كنقطة تحول بمسار الدولة العربية العباسية الإسلامية  فقد مرّت وكأي حضارة أخرى بمراحل قوة وضعف وما بينهما من عوامل خصوصا وأنها قد سارت واعتمدت على مبدأ التوريث بالحكم ولم تتخذ من تطبيق مبدأ الشورى الإسلامي على أحقيته بين الأوساط العامة بموجب الشريعة والذي اعتمدته دولة الخلافة الراشدة بالإسلام الأولى مبدأ لها بحقبها المتوالية وسنقسم الخط البياني لسير تلك الحضارة إلى ثلاث مراحل
الحقبة الأولى/ 
حقبة العصر العباسي الأول وهي تجسد الانطلاقة بالقوة والهيبة ومحولة ترسيخ أركان الدولة ومحاربة خصومها والسعي الحثيث لتقويض ما بقي من نفوذ لأتباع الدولة الأموية وحلفائها والاهتمام بشؤون ومقتضيات الفتوحات بالأقاليم والأمصار والازدهار السريع فتحصلت على القوة والمنعة وقد استمرت بذلك حتى دبّت الصراعات على الحكم جراء اقتران بعض الخلفاء من بني العباس بالنساء غير العربيات ومؤداه في المفاضلة بين الأمراء عند تسميتهم لتولي الخلافة.
الحقبة الثانية/
هي حقبة العصر العباسي الثاني وهي تمثل بدء تراجع مؤشر القوة وإهمال متابعة شأن  الفتوحات والتحول للدفاعات والانشغال بتحكيم الثغور وفض النزاعات الداخلية في الأمصار وإخماد الفتن التي ظهرت تباعا وبدء نهج الصراعات والدسائس بين الأمراء ومن يقف وراءهم على التحكم بسدة الخلافة بين الامراء كصراع الأمين والمأمون.
الحقبة الثالثة/
وهي تقسم إلى مرحلتين بحسب مجريات أحداثها وسير التداخلات الخارجية وتغير وانتقال موقع عاصمة الدولة من بغداد الى سامراء اثر تعاظم تلك التداخلات كتزايد النفوذ التركي ونحوها والتي شهدت بنهاية مرحلتها الثانية سقوط وزوال تلك الحضارة


المرحلة الأولى/
هي مرحلة الانتقال إلى سامراء وأسباب ذلك هي التي تؤشر على بدء هيمنة وتزايد النفوذ الخارجي بتعاظم الاستقواء للعنصر التركي الذي اعتمده الخليفة المعتصم لقناعته بأنه الأفضل فوالدته من الأتراك وقد زرعت ذلك في أعماق نفسيته فتغلغل ذلك العنصر الى الجيش ببداية مراحل تطبيق أجندته لإحكام السيطرة على قرارات الدولة ولكي يتسنى لهم إتمام ذلك كان لابد لهم من إزاحة القادة العرب من أمامهم لإفساح المجال للسيطرة والتدخل في شؤون الجيش العربي العباسي والهيمنة على مراكز قواه بإقصاء قادة الجيش من العرب وابعادهم تدريجيا بالتآمر عليهم لتصفيتهم وإضعاف دورهم في الجيش لكفل تقويض دورهم والسيطرة على الجيش ثم الانطلاق بالتداخل السياسي عندما تحين الفرصة لذلك بقدوم خلفاء ضعفاء وقد حصل المراد بعدما تم التآمر على الخليفة المتوكل آخر الخلفاء الأشداء من بنو العباس وقتله بنهايته المأساوية والتي هي تمثل نهاية العصر العباسي الثاني

(وقد أفردنا لذلك الحدث الهام توصيفا دقيقا بمراحل البحث)


المرحلة الثانية/
وهي تمثل بداية العصر العباسي الأخير والتي تجسد تدهور وتفاقم مراحل ضعف تلك الدولة بالتدريج التي ابتدأت بتحكم الأتراك بالجيش ثم الهيمنة والتحكم التام بشؤون إدارة الدولة في مطلعها حتى أتى الصراع بينهم وبين آل بويه من الأعاجم في نهاياتها وتحكم هؤلاء أيضا بشؤون تلك الدولة التي بقيت تعيش الصراعات بين ذينك الطرفين الطامعين وأصبح لها خصمين مهيمنين حتى لم يبقى في بعض المراحل للخلفاء إلا الاسم والرمزية أحيانا ,وسنتناول هنا تقييم سير بعض خلفائها وسياساتهم وابرز الأحداث فيها إلى جانب مجريات الأحداث التي جسدت تلك التداعيات في هذا الموضع فهي حقبة الضعف والإستقواء بقوى خارجية من غير العرب والاعتماد على أبناءها ورموزها كقادة وجند في جيش الدولة النظامي وكذلك السماح باستيزار بعضهم والذي وصل حد توزيرهم على رأس دواوين الخلافة حتى تعاظم تداخل بعض تلك العناصر الخارجية في سياسة تلك الدولة بشكل مباشر في بعض المراحل والذي وصل حد عزل الخلفاء أو توليتهم أوحتى الإسهام بتصفيتهم وقتلهم كما حدث غير ذي مرة في عاصمة بني العباس الجديدة سامراء ولأجل إسقاط الضوء على تلك المرحلة سنتناول سير سياسة الدولة من عهد الخليفة المعتمد وحتى آخر خلفاء بني العباس المستعصم 
يتبع

 

الدولة العباسية بعصرها الثاني

مراحل القوة والضعف والإستقواء
ج2

 

مجريات الإحداث بعهدي المعتمد والمعتضد

وهي التي تشكل مراحل اكبر علائم التدهور السياسي وانتقال السلطة في باطنها بأيدي قادة الأتراك في الجيش ففي عام 235 ه وفي عاصمة الدولة العباسية سامراء كان المتوكل قد ولّى العهد بين أولاده كما فعل من قبله خلفاء بني العباس حيث ولى محمداً وسمّاه بالمنتصر وأبا عبد الله بن قبيحة وسماه بالمعتزّ وإبراهيم وسماه بالمؤيّد على إن المتوكل رأى أن يقدم ابنه المعتز على أخويه المنتصر والمؤيد لمحبته لوالدته واسمها قبيحة وهي من جميلات زمانها , وتجلى موقف تقديم المعتز على أخويه كما تورد صفحات التاريخ بحدث خطبة الخليفة المتوكل بدلا من المنتصر في شهر رمضان وما جرى في تلك الحادثة وتداخلاتها والتي أفردنا لها شرحا تحت عنوان (التآمر على الخليفة المتوكل) وأيضا عندما خرج الأمير المعتز للصلاة بالناس بدلا من أخاه الأمير المنتصر والذي كان من المعلن أن يؤم الناس في ذلك اليوم , وان الأمير قد غضب لذلك الأمر كثيرا واعتبره موجه ضده خصوصا وقد جرى معه مرتين فأيقن ا ناباه يقدم أخاه عليه فعزم على تدبير موآمرة مع قادة الأتراك لاغتيال أبيه الخليفة المتوكل ولا غرو فقد حاول بعض الأتراك من الملتفين حول المنتصر قتل المتوكل بدمشق ولكنهم أخفقوا في تدبيرهم بفضل القائد بغا الكبير والفتح بن خاقان وهنا ذكر المسعودي فقد كان الأتراك قد رأوا إنهم يقتلون المتوكل بدمشق فلم يمكنهم فيه من حيلة بسبب بغا الكبير فهو من حال بينه وبينهم لذا قام أولئك بتدبير مكيدة اخرى سنعيد وصفها حين طرحوا في مضارب المتوكل رقاعا يقولون فيها إن بغا قد دبر ليقتل أمير المؤمنين والعلامة في ذلك أن يركب في يوم كذا في خيل وجماعة من الغلمان العجم ليفتكون به بينما كتبوا رقعة أخرى ورموها في مضرب بغا تقول إن جماعة من الغلمان والأتراك قد عزما على الغدر بالخليفة في الموعد نفسه لتتم المكيدة فقرأ المتوكل كغيره الرقاع ووقع في نفسه كثيرا وقد نجحت المكيدة التي خططها أولئك فدخل في قلبه من ذلك القائد غيظا كثيرا وقد شكا ذلك إلى الفتح وقال له في أمر بغا وشاوره في أمره وهنا قال له الفتح يا أمير المؤمنين إن من كتب الرقاع قد جعل للأمر دلالة في وقت معين فانا أرى أن تمسك ذلك لنتبين الدليل وعندها نظرنا كيف يفعل وان بطل ما كتب فالحمد لله ولما أتى الموعد وخرج القائد لتدارك الأمر الذي عرفه من الرقعة التي رميت إليه تأكد الخليفة مما قراه بالرقاع فغضب الخليفة وامسك عن الماء والطعام في قصره إلى المساء وبغا قائم يحرسه لخوفه عليه ولكنه يظن العكس بموجب ما صور إليه ولم يعلم الطرفين إن الحيلة التي دبرها الموالي قد سرت عليهما معا وفي الصباح أمر المتوكل أن يخلف بغا إلى الشام وان يسافر من فوره وامتثل وغادر إلى الشام تاركا الساحة لأولئك وهو حيران لكن ما عساه أن يفعل وقد كان الذي تآمر عليهما هم بغا الصغير مع باغر وغيرهم وهنا قال المسعودي انه لما اقبل المساء ومضت ثلاث ساعات من الليل اقبل باغر ومعه عشرة أنفار من الأتراك وهم ملثمون والسيوف تلمع في أيديهم على ضوء شموع القصر فهجموا على مجلس الخليفة وقام باغر وآخر من الأتراك معه بالصعود على سريره فقام إليهم الفتح لينجد الخليفة وانه لم يبقى من المجلس غير الفتح وهو يحاربهم ويمانعهم وقد قال البحتري فسمعت صيحة المتوكل عندما ضربه باغر بالسيف الذي كان المتوكل قد أهداه إليه على جانبه الأيمن إلى خاصرته ثم ثناه على جانبه الأيسر بنفس الحالة وانه لما اقبل الفتح يمانعهم بعج احدهم بطنه بالسيف فأخرجه من متنه وهو صابر لا يتنحى ولا يزول فما رأيت أحدا كان أقوى نفسا ولا أكرم منه فطرح بنفسه على المتوكل فماتا معا ولفا في بساط واحد وطرحا ناحية فلم يزلا كذلك في ليلتهما وعامة نهارهما حتى استقرت الخلافة للمنتصر كما خطط لذلك فأمر بهما ودفنا في سامراء سنة247ه بعد أن أعلن إن الذي قتل المتوكل هو الفتح بن خاقان وان المنتصر كان قد قتله انتقاما لوالده في تلك الدسيسة والمؤامرة المؤسفة التي بها تسلم القاتل مقاليد حكم أباه وبويع له وابتدأ عصر التردي ولم تطول الأيام بالمنتصر اثر ذلك فأتى عهد الخليفة المعتّز بن المتوكل والذي كان كما يصفه صاحب الفخري انه كان شخصا جميلا حسن الصورة ولم يكن بسيرته ورأيه وعقله بأس ولكن الأتراك كانوا قد استولوا على مقاليد الأمور منذ مقتل والده مما اضعف الخلافة حينذاك بحسب ما يذكر المسعودي في مروج الذهب وان المعتز قد عمل على التخلص من نفوذ زعماء الأتراك وقادتهم ومال إلى المغاربة والفراغنة دونهم في منحى تحول استقوائي جديد مما أغاظهم وكادوا له وكانت إدارة المعتز قد تأخرت في دفع بعض مرتبات قادة الأتراك لظرف خاص فاتخذ الأتراك من ذلك فرصة للخروج عليه فطالبوه برواتبهم فعجز عن دفعها ثم استمهلهم وتوجه إلى أمه قبيحة وكانت غنية تملك قرابة المليون وثمانمائة ألف درهم ذهب عدا الجواهر من ذهب وحلي وزمرد وياقوت ولؤلؤ وغيره من نفائس الأحجار الكريمة فأراد منها أن تمده ببعض المال لإسكات ثورة العسكر والجند في دولته وجيشه وكان المال الذي يحتاجه هو خمسون ألف فقط ولكنها رفضت وأبت إلى ذلك سبيلا ولم تكتف بذلك بل إنها استنجدت بموسى بن القائد بغا وكانت ثورة الجند قد اشتدت وتفاقمت فقبضوا عليه وقتلوه بزعامة صالح بن وصيف بعد أن ادخلوه حجرة واتوا بابن أبي الشوارب وجماعة معه وأشهدوهم على خلعه...

 

                                                           فتنة الرقاع 

                                                    

                                            من تآمر على قتل الخليفة المتوكل

                            
 لنسقط بعض الضوء على وقائع جريمة سال بها دم خليفة عباسي على مذبح التآمر والخيانة والدسائس ومن اقرب الناس اليه ولده ونكشف اسرارها فلطالما اشرنا في ما نستقيه من وقائع تاريخنا على اهمية موضوعة التداخلات الشعوبية الجانبية التي تطفلت كنهج مؤسف يستمر حد ايامنا الراهنة بتاثيره السلبي على سياسة إدارة كيانات الأمة العربية والإسلامية وفصل تلاحمها مع شعوبها ومؤشرات ذلك في رسم الخط البياني لتلك الأمة وعثراتها واليوم سنورد واحدة تدعم ذلك بكل وضوح

جذور الفتنة

 في سنة235 ه وفي عاصمة الدولة العباسية سامراء ولّى المتوكل العهد أولاده الامراء الثلاثة كما فعل من قبله باقي خلفاء بني العباس فولّى محمداً وسمّاه بالمنتصر وأبا عبد الله بن قبيحة وسماه بالمعتزّ وإبراهيم وسمّاه بالمؤيّد وقد عقد لكل واحد منهم لواءين احدهما اسود هو لواء العهد والآخر ابيض هو لواء العمل وقد مدحه الشعراء اثر ذلك بقصائدهم على إن المتوكل رأى أن يقدم ابنه المعتز على أخويه المنتصر والمؤيد لفرط محبته لوالدته قبيحة ما اوغر صدور الاخرين كما تورد صفحات التاريخ ويظهر إن ذلك كان راجعا إلى ما حاكه رجال بلاطه من دسائس , ومما ذكره الطبري حول ذلك انه كان قد شاع في الناس في أول رمضان من ذلك العام إن أمير المؤمنين كان سيصلي في آخر جمعة من رمضان بالناس فتهيأ الناس لذلك وسارت الجموع من بغداد إلى سامراء من قبل ذلك الموعد وفيهم أهل المظالم وغيرهم من الذين أرادوا لقاء الخليفة ومحادثته بعد الصلاة  وابتدأت الحشود تتجمع فلما كانت تلك الجمعة وقد أراد الخليفة التهيؤ للصلاة بالناس وقد كان الخليفة متوعكا فقال له عبد الله بن يحي والفتح بن خاقان يا أمير المؤمنين إن الناس قد اجتمعوا وكثروا وفيهم طالب الحاجة والمتظلم ومن أهل بيتك وأنت تشكو ضيق الصدر ووعكة فان رأيت أن تأمر أحد الامراء من ولاة العهود ليخرج الى الصلاة عوضا عنك فقال قد رأيت ما رأيتما وهنا أمر المنتصر للصلاة بالناس فلما نهض المنتصر وامتثل للأمر ليركب للصلاة قالا مرة أخرى وهما لا يودان المنتصر كونه يقرب الأتراك يا أمير المؤمنين هلا أمرت إن رأيت ابا عبد الله المعتز للصلاة لتشرّفه بذلك في هذا اليوم الشريف سيما وان المعتز قد ولد له ولد بالأمس وقد اجتمع له أهل بيته وقد بلغ الله به فتفكر الخليفة ووافق وأمر المعتز بان يركب للصلاة بالناس فتوجه المنتصر من ساعته إلى منزله وكان بالجعفرية بسامراء وقد عزّ عليه ذلك الأمر وزاد من أساه أما المعتز فانه لما أكمل خطبته وقد كانت رائعة فقد كان خطيبا مؤثرا وفرغ من صلاته قام إليه عبيد الله ابن يحي والفتح بن خاقان فقبلا يديه ورجليه ثم انصرفا معه في موكب الخلافة والناس بين يديه حتى عادوا إلى قصر المتوكل ودخلوا جميعا إلى قصر الضيافة ودخل معهم داود بن محمد بن أبا عباس الطاووس وقد استأذن الخليفة للكلام فإذن له وهنا قال يا أمير المؤمنين لقد رأيت الأمين والمأمون والمعتصم ورأيت الواثق بالله فوا لله ما رأيت رجل على منبر أحسن قواما ولا أحسن بديهة ولا اجهر صوتا ولا أعذب لسانا ولا اخطب من المعتز بالله اعزه الله ببقائك فقال له المتوكل أسمعك الله خيرا , فلما كان من يوم الأحد وقد حل يوم الفطر بالعيد فأمر المتوكل ولده المنتصر بالصلاة بالناس وهنا اعترض ألمقربين من المتوكل ومنهم الفتح وقالوا إن الناس لم يروك في آخر جمعة وكانوا قد تطلعوا لذلك فهلا خرجت لهم كي لا يستعوقوك ويكثر الحديث عن غيابك فاقتنع ووافق المتوكل وخرج للصلاة بالناس ولما فرغ عاد إلى قصره وأما المنتصر فقد غضب لذلك الأمر كثيرا واعتبره موجه ضده مرتين فعزم على تدبير موآمرة مع قادة الأتراك لاغتيال أبيه الخليفة المتوكل ولا غرو فقد حاول بعض الأتراك من الملتفين حول المنتصر قتل المتوكل بدمشق ولكنهم أخفقوا في تدبيرهم بفضل القائد بغا الكبير والفتح بن خاقان وهنا ذكر المسعودي ( وقد كان الأتراك قد رأوا إنهم يقتلون المتوكل بدمشق فلم يمكنهم فيه من حيلة بسبب بغا الكبير فهو من حال بينه وبينهم ) لذا قام أولئك بتدبير مكيدة جديدة فطرحوا في مضارب المتوكل رقاعا يقولون فيها إن بغا قد دبر ليقتل أمير المؤمنين والعلامة في ذلك أن يركب في يوم كذا في خيل وجماعة من الغلمان العجم ليفتكون به بينما كتبوا رقعة أخرى ورموها في مضرب بغا تقول إن جماعة من الغلمان والأتراك قد عزما على الغدر بالخليفة في الموعد نفسه لتتم المكيدة , فقرأ المتوكل كغيره الرقاع ووقع في نفسه كثيرا وقد نجحت المكيدة التي خططها أولئك فدخل في قلبه من ذلك القائد غيظا كثيرا وقد شكا ذلك إلى الفتح وقال له في أمر بغا وشاوره في أمره وهنا قال له الفتح يا أمير المؤمنين إن من كتب الرقاع قد جعل للأمر دلالة في وقت معين فانا أرى أن تمسك ذلك لنتبين الدليل وعندها نظرنا كيف يفعل وان بطل ما كتب فالحمد لله ….
ولما أتى الموعد وخرج القائد لتدراك الأمر الذي عرفه من الرقعة التي رميت إليه تأكد الخليفة مما قراه بالرقاع فغضب الخليفة وامسك عن الماء والطعام في قصره إلى المساء وبغا قائم يحرسه لخوفه عليه ولكن المتوكل يظن العكس بموجب ما صور إليه ولم يعلم الطرفين إن الحيلة التي دبرها الموالي قد سرت عليهما معا وفي الصباح أمر المتوكل أن يخلف بغا إلى الشام وان يسافر من فوره وامتثل وغادر إلى الشام تاركا الساحة لأولئك من حيث لايعلم بما مدبر وهو حيران لكن ما عساه أن يفعل وامر الخليفة قد نفذ , وقد كان الذي تآمر عليهما هم القائدين بغا الصغير وباغر وغيرهم اخرين وهنا قال المسعودي انه لما اقبل المساء ومضت ثلاث ساعات من الليل اقبل داغر ومعه عشرة أنفار من الأتراك وهم ملثمون والسيوف تلمع في أيديهم على ضوء شموع القصر فهجموا على مجلسه الخليفة وقام داغر وآخر من الأتراك معه بالصعود على سريره فقام إليهم الفتح لينجد الخليفة وقد صاح بهم ويلكم انه مولاكم وانه لم يبقى من المجلس غير الفتح وهو يحاربهم ويمانعهم وقد قال البحتري فسمعت صيحة المتوكل عندما ضربه باغر بالسيف الذي كان المتوكل قد أهداه إليه على جانبه الأيمن إلى خاصرته ثم ثنّاها على جانبه الأيسر بنفس الحالة وانه لما اقبل الفتح يمانعهم بعج احدهم بطنه بالسيف فأخرجه من متنه وهو صابر لا يتنحى ولا يزول فما رأيت أحدا كان أقوى نفسا ولا أكرم منه فطرح بنفسه على المتوكل لينقذه فماتا معا ولفّا في بساط واحد وطرحا ناحية , فلم يزلا كذلك في ليلتهما وعامة نهارهما حتى استقرت الخلافة للمنتصر كما خطط لذلك فأمر بهما ودفنا في سامراء سنة247 ه بعد أن أعلن إن الذي قتل المتوكل هو الفتح بن خاقان وان المنتصر كان قد قتله انتقاما لوالده في تلك الدسيسة والمؤامرة التي توحي بقذارة السياسة منذ ذلك الحين فتسلم القاتل مقاليد حكم أباه كخليفة وبويع له فالناس تأخذ بالظاهر ولكن التاريخ هو الذي يسجل كل شاردة وواردة في ضمائر المؤرخين من المنصفين

 


              الدولة العباسية بعصرها الثاني

             مراحل القوة والضعف والإستقواء

              ج 3

 

تدهور الحالة للدولة العباسية بتفاقم التداخلات


لقد تدهورت الحالة السياسية لدولة بني العباس بتلك المرحلة وبلغت حدا من التفاقم خاصة بعد أن قتل الخليفة المتوكل أول خلفاء العصر العباسي الثاني وبدء التدهور حين تولى الخلافة ولده المنتصر عندما بايعه القادة الأتراك والذي سرعان ما انقلب عليهم عندما أحس بخطرهم الكبير وبأنهم باتوا يتحكمون بكرسي الخلافة وتحديد من يجلس عليه وإنهم بذلك قد سيطروا على الدولة العباسية فحاول إبعادهم وإشغالهم بالحروب مع الروم والبيزنطيين على الثغور ولم يخف مشاعر حقده عليهم حيث صرح بذلك كثيرا مما جعلهم يفكرون بقتله وتم ذلك بالفعل ولم يدم حكمه أكثر من ستة شهور ولم يكن له من عمل مميز إلا منهجه بمصالحة العلويين إذ أزال ما تركه والده من اثر سيء في نفوسهم وقد قتل في عامه الذي لم يتمه على أيدي قتلة والده وبعد ذلك اجتمع القادة الأتراك ليتشاوروا في تولية من يليه من الامراء فاجمعوا على إبعاد أولاد المتوكل كيلا يتولى منهم من يثأر لوالده وأخاه بحسب ما ذكره ابن الأثير فبايعوا المستعين وله من العمر ثماني وعشرون سنة إلا إنهم سرعان ما اختلفوا وانقسموا على أنفسهم كفريقين مختلفين بالرأي حول التولية الأول مؤيد بزعامة باغر التركي قاتل المتوكل والفريق الثاني معارض بزعامة القائدين وصيف وبغا وهم الذين قاموا بالخروج من سامراء ليلا واصطحاب الخليفة إلى بغداد ولكنهم فيما بعد اسقط بيديهم فحاولوا استدراج الخليفة بالاعتذار إليه ليعود إلى سامراء غير انه رفض تلبية طلبهم فلما رأى أولئك انه تنكر لهم وعصاهم خلعوه وعادوا فبايعوا ابن عمه أبى عبد الله بن الخليفة المتوكل ولقب بالمعتز وقد حدثت بسبب ذلك فتنة كبيرة بالبلاد بين بغداد وسامراء ويروي أحداثها احمد بن الحارث اليماني فيقول إنها حرب دامت عدة أشهر وأتعبت كاهل البلاد وحل الغلاء وعظم البلاء إلا إن المعتز في سامراء انتدب أخاه أبى احمد بن المتوكل الملقب بالموفق على محاربة المستعين وحدثت أحداث أخرى ذكرها المسعودي حول انهزام المستعين واستجارته وخذلانه حتى انتهى الأمر به معزولا ومبعدا في واسط بعد أن أوكلوا به القائد احمد بن طولون ومن ثم أرادوا منه قتله فرفض ولكنهم عادوا فأرسلوا إليه احد الحجاب مع بعض الجند فقام بقتله وانتهى أمر المستعين وعهده الذي جرت به الكثير من الفتن في الداخل والخارج ولم يتسنى له مباشرة إدارة شؤون خلافته منذ البداية وحتى النهاية وعند تصفيته بقيت الخلافة للمعتز الذي كان ضعيفا وأمره مرهون بيد الأتراك حيث كان يخاف بطشهم وغدرهم وكان لا ينام إلا وسلاحه جواره حتى قتل بتلك الحادثة الشهيرة والتي كنا قد كتبنا عنها سالفا عندما ثار الجند لعدم استيفاء مرتباتهم وحين رفضت والدته قبيحة مساعدته في دفع المبالغ المترتبة حتى قتل بتلك الصورة البشعة التي وصفها لنا ابن الأثير وانتهى أمره في عام 255ه ثم وليَّ الخلافة أخاه المهتدي وعلى الرغم من كون المعتز ضعيفا وواقع تحت تأثير الأتراك إلا انه كان رجلا صالحا وملتزما وقيل أيضا انه ابن الخليفة الواثق إذ لم يكن من الذين ولاّهم المتوكل وسنمر بعجالة على وصف عهده فقد كثرت في خلافته الثورات والفتن ومنها بدايات ثورة الزنج في البحرين تجاه البصرة في بغداد والموصل وطبرستان وغيرها مما امتد إلى الأردن وفلسطين ودمشق وليس ذلك معرض بحثنا فقد كان المهتدي كغيره من سابقيه ألعوبة في يد القادة من الأتراك مع انه فكر بالخلاص مما قد ينتظره في أية لحظة حين حاول استمالة احدهم وهو القائد باكباك ومناه بقيادة الجيش إن هو أقدم على قتل القائد الكبير بغا إلا إن باكباك وشى به وهنا سرعان ما اجتمعت كلمة الأتراك على قتله على اثر قتله بعض الموالي ثم اجتمعوا عليه وأسروه وعذبوه حتى مات فكان مقتله في رجب عام256ه 
يتبع في ج4

الدولة العباسية بعصرها الثاني

مراحل القوة والضعف والإستقواء

ج4

 

خلافة المعتمد وتقادم التداخلات
إن حقبة خلافة المعتمد هي حقبة هامة بحسب فاعلية التداخلات الخارجية ومفارقاتها وسنحاول إسقاط الضوء على بعض مفاصلها فقد بايع القادة الأتراك المعتمد للخلافة والذي كان حينذاك محبوسا في الجوسق وهو سجن بسامراء وأطلقوا سراحه وتمت مبايعته وولى عهده لابنه جعفر ولقب بالمفوض إلى وقد ولي أخاه أبا احمد طلحة من بعده ولقب بالموفق الله ويقول صاحب الفخري إن الموفق قد غلب ألمعتمد ونافسه منافسة شديدة على الحكم وإدارة الدولة على الرغم انه هو الذي كان قد استدعاه حين أنفذ إلى مكة رسولا لإحضاره في عام257ه حيث كان الخليفة المهتدي قد نفاه إلى مكة المكرمة ثم اضطر المعتمد أخيرا لتقسيم الدولة العباسية بين ولده وأخيه فخص الموفق بالبلاد الشرقية والمفوض بالبلاد الغربية وضم إليه موسى بن بغا وولاه أفريقيا ومصر والشام والجزيرة وأرمينيا وطريق خراسان وغيرها حتى بات حكم المعتمد حكما غريبا فكان هو والموفق كالشريكين بالخلافة للمعتمد الخطبة والسكة (سك النقود) والتسمية بأمير المؤمنين ولطلحة الموفق الأمر والنهي وقود العساكر ومحاربة الأعداء ومرابطة الثغور وترتيب الوزراء والأمراء وكان المعتمد مشغولا عن كل ذلك بملذاته ويقول الأسيوطي إن المعتمد قد انهمك باللهو والملذات واشتغل عن الرعية بينما برز أخاه الموفق فكرهه الناس وأحبوا أخاه أما موسى بن بغا فقد كان من أحسن الأمثلة التي تدلل على تحكم القادة الأتراك في ذلك العصر وقد كان بغا الكبير والد موسى من كبار قواد الجيش العباسي في أيام المعتصم وقد اشترك في كثير من الحروب التي نشبت للذود عن الخلافة وأبدى فيها شجاعة فائقة رفعت منزلته فوق غيره من القواد حتى سمح له أن يتزوج من بيت الخلافة وفي ذلك يقول الطبري (موسى هذا هو ابن خالة المتوكل) وان موسى كان قد تدرج بالجيش حتى أصبح من اكبر قواده وتعاظم نفوذه وتداخله حيث قام بدور هام في الثورات التي قام بها الأتراك في وجه الخلفاء فتارة تراه يذود عن عرش الخلافة وتارة أخرى يتآمر مع المتآمرين كما ترى إن الخلفاء يندبونه لتهدئة وإخماد ثورات الثائرين على الخلافة وقد كان مقربا من المعتمد الذي بالغ في إكرامه وأرسله خارج سامراء في عام 259ه لقتال صاحب الزنج وخلع عليه وبذا يكون موسى قد غدا الساعد اليمين لكل من المعتمد والمفوض والموفق وبقي على منزلته حتى وافته المنية في عام 264ه وقد حدثت في عهد المعتمد أحداث عديدة هامة منها ثورة الزنج وأحداث الثغور الشامية وهجوم البيزنطيين الفاشل على ربيعة قرب نينوى شمالي العراق بعد نكثهم عهد الصلح حيث كان المعتمد وقائده على مصر والشام حينذاك احمد بن طولون هما مصدر قلق وخوف البيزنطيين ثم تعاظم الخلاف بين المعتمد والموفق في عام269ه وأراد المعتمد الهرب من سامراء قاصدا احمد بن طولون في دمشق الذي كان قد راسله وأرسل إليه قائدين من قواده بالرقة ولكن الموفق كان قد أرسل صالح بن مخلد لرد الخليفة وساعده في ذلك اسحق بن كنداج عامل الموصل فلم يضيعا جهدا بإعادة الخليفة إلى سامراء بشتى السبل فانتهى الأمر وفشلت خطته بالهرب وقبض عليه في بلدة حديثة الحالية وحجز المعتمد وأوكل به خمسمائة من الجند كي يمنعوا الناس عنه ويمنعوه من الخروج إليهم فكان كما يقول السيوطي أول خليفة قهر وحجر عليه ووكل به.
أما ما كان من احمد بن طولون فانه قد غضب كثيرا وحاول خلع الموفق من دمشق واشتد الخلاف بينهما ولم يذعن للموفق حتى وفاته في عام 270ه وقد حزن المعتمد في سجنه لذلك كثيرا ورثى بن طولون بعدة أبيات وقد كان عام 270ه هاما للدولة فقد انتصر المسلمون على البيزنطيين وقتلوا منهم سبعون ألفا وقتلوا كثيرا من البطارقة وغنموا صلبانهم الذهبية وما إليه من كراسي الذهب والفضة وفي عام278ه نشبت حرب مع البربر وقتل من الفريقين خلق كثير وفي ذلك العام توفي الموفق الذي كان يسيطر على الخلافة فجلس للعزاء ابنه أبو العباس بن الموفق وبقي المعتمد هو الخليفة الرسمي ثم اجتمع القادة وبايعو أبو العباس بولاية العهد ولقبوه بالمعتضد على أن تكون ولايته بعد المفوض ابن الخليفة المعتمد ولكن الأمر جرى مغايرا في حقيقته حيث سرعان ما ضعفت سلطة المعتمد مجددا بعد تحول سلطة الموفق لولده برعاية الأتراك حتى اشهد المعتمد على نفسه انه قد خلع ابنه المفوض من ولاية العهد وبايع بالولاية للمعتضد ولم تمض أشهر قليلة حتى أعلن عن وفاة المعتمد وقيل انه قد دس إليه السم وقد بقي المعتمد في الخلافة ثلاثا وعشرين سنة تخللتها الفتن والاضطرابات…..
يتبع الجزء الاخير
حقبة الضعف الأكبر من عهد المعتضد وحتى النهاية بعهد المستعصم

ج5
بداية النهاية وعلامات التهتك والانهيار
لقد كانت حقبة الضعف الأكبر والتهتك في الخط البياني لدولة بني العباس هي من بداية عهد المعتضد وحتى النهاية المأساوية في عهد المستعصم وسنمر بعجالة على سير خط الخلافة في تلك المرحلة الأليمة فعندما توفي الموفق في عام278ه وبويع للمعتضد بولاية العهد من قبل القادة الأتراك وبعد خلع المفوض ووفاة المعتمد المفاجئة بعد أن بايع للمعتضد قام المعتضد بخطوة جديدة وهي نقل مقر الخلافة والعودة به إلى بغداد في عام279ه/892م وبقي هناك وقد دامت خلافته عشرة أعوام وتوفي في عام289ه ثم آلت الخلافة لولده أبي محمد علي وتلقب بالمكتفي بالله في عام289ه ولم يعمر بالخلافة فقد توفي في ريعان شبابه في 11 من ذي الحجة عام295ه وكانت خلافته نحو ستة أعوام وقد خلفه في الخلافة أخوه في ذلك العام الذي توفي فيه وبويع له وقد لقب بالمقتدر وقد دامت خلافته زهاء خمسة وعشرون عاما من295ه وحتى مقتله في 320ه وقد تولى الخلافة بعده أخوه أبو المنصور محمد بن المعتضد ولقب القاهر بالله والذي لم تدم خلافته سوى عامين إذ تولى في عام 320ه وتوفي في عام 322ه وبعدها آلت الخلافة إلى أبى العباس احمد بن المقتدر ولقب بالراضي بالله في اليوم السادس من شهر جمادى الآخرة من عام 322ه وقد دامت خلافته نحو سبعة أعوام حيث توفي في عام329ه ثم اجتمع القادة الأتراك وبايعوا بعدئذ إبراهيم بن المقتدر والذي لقب بالمتقي لله وقد دامت خلافته ما يربو على الثلاث أعوام وأياما قليلات فقط إذ تم خلعه لكنه بقي حيا لمدة طويلة, وقد حدثت فيها نقطة تحول أخرى من التداخلات الخارجية ولكنها سلبية أيضا فقد دخل بنو بويه العراق وبغداد في عام 230ه بقيادة معز الدولة أبو الحسين احمد بعد أن دعاهم الخليفة المتقي لدخول بغداد بحسب ما روته صفحات التاريخ لخلافه مع توزون التركي وكونه كان يخشاه على الرغم من العهود والمواثيق التي كان قد حصل عليها منه ولكن البديل كان أكثر سوءا فقد استبد البويهي وانقلب هو وأتباعه بالأمر من دون الخليفة المتقي لله والأمراء وتفاقم الأمر حتى تمكن رئيس الشرطة توزون التركي وأتباعه في شهر رمضان من ذلك العام الذي دخل به بني بويه من طردهم بعد أن قام بقتالهم وطردهم من شمالي وسط البلاد في سامراء وتكريت والموصل إذ إن الخليفة المتقي لله كان قد ترك الخلافة في بغداد وتواجد بالموصل ولم يعد لبغداد إلا بعد أن انتهى توزون التركي من طرد كامل أتباع بني بويه منها ولكنه لما عاد ودخل بغداد على أمل مواثيق وعهود توزون التركي قبض عليه أتباعه من فورهم وخلع من الخلافة وتم سمله بالسندية في يوم السبت لإحدى عشر ليلة بقيت من صفر في عام 333ه وبقي مسمولا حتى الرابع عشر من شعبان عام 357ه وهذا ما كان منه أما ما كان من توزون والخلافة فبعد خلع المتقي بويع بالخلافة لعبد الله بن الخليفة المكتفي ولقب بالمستكفي بالله في عام333ه ولكن خلافته لم تدم كثيرا إذ لم تدم سوى عام ونحو أربعة أشهر فقط فقد خلع في عام334ه حيث توفي القائد توزون التركي في أوائل أيام خلافته في محرم من ذلك العام مما دعا البويهيون بالتفكير مجددا بغزو بغداد اثر ذلك وفعلا فقد قام معز الدولة بن بويه بالهجوم والاستيلاء على بغداد وسامراء (وقد أمر أتباعه بترميم وتزيين قبة مرقد الأمام علي الهادي في سامراء) على الرغم من إن الخلفاء العباسيين كانوا قد عمرو المرقد ووسعوه غير مرة,عموما عادت الخلافة من جديد لذلك التداخل الجانبي الثاني فقد أمر ذلك المعز من فوره بخلع الخليفة المستكفي ونصب مكانه أبا القاسم الفضل بن المقتدر بن المعتضد وقد لقب بالمطيع لله والذي دام حكمه زهاء تسعة وعشرون عاما ابتداءً من عام 334ه وحتى عام 363 ه ولكنه خلع في آخر أيامه أيضا على يد البويهيين عندما وقع القتال بين معز الدولة وبين ناصر الدولة بن حمدان الذي اصطف إلى جانبه الخليفة ولما عاد المعز إلى بغداد أعاد الخليفة معه كالأسير ولما وصل خلعه ونصب مكانه ولده أبو بكر عبد الكريم في 363ه ولقب بالطائع لله وقد دامت خلافته زهاء ثمانية عشر عاما من 363ه وحتى381ه وبعدها تم خلعه من قبل آل بويه حين ساءت العلاقة بينه وبين بهاء الدولة احد كبارهم الذي قبض على الخليفة وخلعه ثم حصلت المبايعة لمن خلفه وهو احمد ولقب بالقادر بالله في 381ه وقد دامت خلافته زهاء واحد وأربعون عاما وثلاثة أشهر وعشرين يوما وتوفي في شهر ذي الحجة من عام 422ه وله من العمر سبعة وثمانون عاما ثم بعد ذلك ولي الخلافة ابنه عبد الله ولقب بالقائم بالله والذي دامت خلافته زهاء خمس وأربعون عاما من 422ه وحتى467ه وقد خلع وأعيد في حادثة سنوالي ذكرها وهو كوالده عمر في الحكم ولكنهما جسدا عين حقبة الضعف والتداخلات الخارجية التي توزعت بين الترك والعجم وقد كان المتنفذ في زمانه هو جلال الدولة من آل بويه حتى تحرك القائم بالله بمسعى استقوائي جديد بعد كل تلك المدة ليحول دائرة التداخل الخارجي في زمن آخر سلاطين ومتنفذي آل بويه وهو الملك الرحيم ولم يدري بذلك انه إنما سينقذ الأمة من فتنة كبيرة باطنية كانت قادمة تتربص بها وتلك حقيقة قد جرت أحداثها فيما بعدت وقد يكون الرجل عالما بذلك فقد أرسل القائم إلى طغرل بك وهو احد أمراء السلاجقة السنّة يطلب منه إنقاذه وبلاده من الظلم والتحكم وسرعان ما امتثل طغرل بك لنداء الخليفة وجاء بنفسه على رأس جيش كبير في عام 447ه حتى بغداد ودخلها وقضى على البويهيين ونفوذهم قضاءً تاماً ولكن قبل ذلك حدثت حادثة أخرى فقد اضطر طغرل بك للخروج بجيشه لأمر هام آخر حين أوقع أولئك الشيعة بينه وبين أخاه إبراهيم ينال ومنوه بالوعود إن هو ساعدهم مما حدا بطغرل بك أن يخرج من فوره دون أن يترك في بغداد قوة حماية وقد استغل ذلك ارسلان البساسيري وهو من احد قواد آل بويه وقيل انه أصبح بتعاظم نفوذه احد وزراء دولة القائم وهو من طائفة الشيعة لكنه من أصل تركي أن يتحين الفرصة بحسب تصوره ليهجم ويسيطر على بغداد وقتل من قتل وقام بخلع الخليفة محاولا إسقاط الدولة العباسية في محاولة لتحويل الحكم إلى الشيعة بحسب ذلك التداخل الباطني الخطير في دولة المسلمين ثم تحول صوب سامراء واستقر في تكريت لفترة ومن هناك أمر الخطباء أن يدعوا للفاطميين وهم الشيعة العبيديين في مصر ليتم محاولته التي اسماها الحافظ الذهبي في كتابه سيَر أعلام النبلاء بالفتنة العظمى حيث ثبت إن البساسيري كان على اتصال مسبق معهم في مسعى لذلك الأمر عموما فقد خلع الخليفة القائم بالله وأرسله معتقلا إلى مدينة عانة الحالية في الانبار ولكن لم يتم له ذلك فقد رجع طغرل بك بعد سنة واحدة وقد تمكن من محاصرة جيش أخاه المتمرد وقتله ليعود إلى بغداد ما أن سمع بالأمر وقام بالقضاء على حركة البساسيري وأتباعه فورا والذي كان حينها قد التجأ إلى الكوفة فأرسل إليه جيشا قوامه ألفي فارس بقيادة خمارتكين الطغرائي الذي انتصر عليهم وبهذا قتل البساسيري وانتهى أمر حركته وحمل رأسه إلى الخليفة وأعيد بذلك الخليفة إلى مقر خلافته وعرشه في بغداد بعد أن أخمدت تلك الفتنة الكبيرة وبقي القائم بالله يحكم قرابة ستة عشر عاما وقيل انه لم يضع رأسه على وسادة فكان يقيم الليل ويصوم النهار حتى عام467ه حيث توفي القائم بالله وقد بويع المقتدى وقد دامت خلافته زهاء عشرة أعوام من 467ه وحتى487ه وفي أخريات أيام عهده قدم السلطان ملك شاه التركي ثم توفي المقتدى فجأة وبويع لأبي العباس ولقب بالمستظهر بالله في487ه والذي دامت خلافته زهاء خمسة وعشرون عاما حتى إن السلطان بركيار السلجوقي بايعه وقد توفي في512ه وبعدها بويع للمسترشد بالله والذي دامت خلافته زهاء سبعة عشر عاما من512ه وحتى532ه حتى قتل في مراغة على يد مسعود بن محمد السلجوقي ثم بويع لولده ولقب بالراشد بالله وقد حكم الخلافة نحو ثلاث سنوات من529ه وحتى532ه وقد أراد السلطان مسعود السلجوقي العودة إلى بغداد ولكن الراشد بالله كان قد قتل عندما كان خارجا إلى بلاد أذربيجان على أيدي جماعة من الفرس ثم بويع من بعده للمقتفي لأمر الله في 532ه وقد دامت خلافته زهاء ثلاثة وعشرين عاما من532ه وحتى555ه وفي عهده توفي السلطان المستبد مسعود وعند ذاك عاد قرار مصير بغداد والعراق والأمة كلها لأهله وقد تحررت الخلافة بأمر الله من التداخلات لتلك الفترة ولم يبقى للخلفاء من منازع لكن ذلك لم يدم طويلا بحسب السعي ورائها وما يتربص بالأمة من دسائس الكائدين وقد توفي المقتفي لأمر الله وبايع الناس لولده بالخلافة ولقب بالمستنجد بالله في 555ه وقد دامت خلافته زهاء إحدى عشر عاما من 555ه وحتى566ه حيث توفي المستنجد بالله وقد بويع بالخلافة لولده ولقب بالمستضيء بأمر الله والذي دامت خلافته زهاء تسعة أعوام من 566ه وحتى 575ه حيث توفي هذا الخليفة وبعدها بويع بالخلافة لولده احمد ولقب بالناصر لدين الله في575ه وقد دامت خلافته زهاء سبعة وأربعون عاما من575ه وحتى622ه وقد كان عهد خلافته ذهبيا فقد أتاح له ظرفه الكثير سيما وانه كان رجلا حكيما قويا وسنفرد له بحثا خاصا , ثم توفي وبويع بالخلافة لولده محمد ولقب بالظاهر بأمر الله في 622ه ولم تدم خلافته سوى اقل من عام واحد وكان كبير السن وبعد وفاته بويع لولده منصور في 623ه ولقب بالمستنصر بالله وقد دامت خلافته زهاء سبعة عشر عاما من623ه وحتى640ه وكان عهده طيبا ومنورا فقد اهتم بالعلم وهو من بنى المدرسة المستنصرية ببغداد إلى جانب شجاعته الفائقة حيث كان هو من تمكن بقيادة جيشه لصد الهجوم المغولي الأول على العراق في منطقة جبل حمرين قرب سامراء وشماليها وقد توفي في 640ه وبويع لولده عبد الله أبى احمد ولقب بالمستعصم في 640ه وهنا قاربت النهاية فهو آخر خلفاء بني العباس وبنهاية عهده سقطت الدولة العباسية الكبرى التي كانت رمزا لدولة الإسلام التي حكمت غالب العالم لردحا من الزمن وقد دامت خلافة المستعصم منذ توليه الخلافة وحتى مقتله على يد المغول زهاء ستة عشر عاما من 640ه وحتى سقوط بغداد في 656ه بتلك الهجمة البربرية الهمجية الكبرى التي كانت ورائها أجندة باطنية تولاها وزير دولة المستعصم ابن العلقمي وهي متممة لسابقتها التي ابتدأها الوزير البساسيري ولم نتخلص من لاحقتها الأخيرة التي سقطت بها بغداد مجددا وبعين تلك الأجندة التي يكتب معنا الأحرار عن أحداثها ومآسيها وتداعياتها حد اليوم, وسنفرد للأولى أي حركة البساسيري بحثا خاصا

 

ج6
الإنصاف في تقييم ما جرى بين التململ والسقوط

لقد كثر الحديث ومنذ زمن من قبل المؤرخين والمثقفين عن تلك المرحلة المؤلمة في سير تاريخ الدولة العباسية وقد كان المنصفين منهم في الغالب يعرضون الأمر على حاله بحيادية مع التذكير بموضوعة التوريث بالحكم وتعلقها بالشورى دونما التأشير الإيحائي الظالم بمنهج سلبي منحاز ضد شخوص خلفاء دولة بني العباس تحديدا وهو الذي انتهجه البعض على مدى سير التاريخ وحتى اليوم من قبل بعض الشوفينيين الطائفيين الذين يريدون عين ذلك التوريث ولكن من زاوية أخرى يعينهم في تلك الدفوع المغرضين وأنصاف المثقفين من الحاقدين على أية مسعى توحيدي يروم أن يجمع العرب والمسلمين ككيان في هذا العالم وقد تمادى البعض منهم بذلك حين لم يكفوا ألسنتهم عن محاولة النيل من تلك الحضارة عن طريق توجيه النقد المباشر بالإسفاف إلى الخلفاء في غير مناسبة لكنا نقول اليوم وبعد تلك المراجعة التاريخية التي أشرت على بدايات أسباب ذلك التراجع ومسبباته إن لكل الأحداث المتراكمة على الدوام وحتى أيامنا الراهنة أسبابها إلى جانب تداعيات أخطاء متراكمة وليس من الضرورة أن يكون من يشار إليهم بالخلل هم وحدهم المسئولين عن كل ذلك سيما وان الأمة مستهدفة بأعلى درجات الاستهداف الخبيث الذي لما يزل دائرا بيننا حد أيامنا الراهنة حيث رغم كل ما أتيح لأبناء هذا العصر من نور وعلم وسعة ثقافة وحصانة فكرية سياسية تدعمها القوى التسليحية والتعبئة العسكرية التي تحوزها دول امتنا المفككة إلا إنها أثبتت من جديد إنها ومع كل ذلك عرضة لكل ما جرى مع ومرر على كواهل رجالات حقبة ظلمها التاريخ ولقد ابتدأ التراجع في بادية العصر الثاني بسبب تعاظم نفوذ أصحاب التداخلات الخارجية التدريجي والذي كانت له أسبابه بمكائد معدة من قبل أعداء الأمة ولكن هذا لا ينفي جهد محاولات جريئة قام بها بعض الغيارى من الخلفاء على دولة الإسلام بحسب مستطاعهم عندما حاولوا تخليص الخلافة مما علق بها من تداخلات ليسوا هم من كان السبب بوجودها في الأصل وحتى وصل الحال لما وصل إليه فالكثير منهم قد حاول أن يغير الوضع القائم الذي وجده وان ينقلب عليه ليخلص مصير دولته بشتى السبل المتعددة وكان من بينها المواجهة الجريئة التي وصلت حد القتال المشرف الذي كلفهم أرواحهم ودمائهم الزكية التي راحت على مذبح ذلك الخطر الساعي بنا حتى اليوم لكن أولئك الخلفاء الغيارى لم يتح لهم قدرهم وعظم بلاؤهم وهم بذلك المستوى من الشجاعة والغيرة والإقدام على إتمام الأمر خصوصا وان الأعداء يتربصون بهم بشدة ليحكموا الطوق على أعناقهم وهذا ما يفسر لكم مدة الحكم القصيرة التي أتيحت لهم والمؤشرة إزاء كل منهم حتى أتت حقبة الضعف الأكبر في ذلك الخط البياني الذي رأيتم فيه دولة بني العباس من عهد المعتضد وحتى النهاية المأساوية بسقوط الدولة العباسية وبغداد في عهد المستعصم التي أودت بكل شيء وقد وجدنا من يشيد دوما بمحاولات الإحياء والإصلاح التي جرت في تلك الحقبة كما جرى في عهد الخليفة الناصر لدين الله على وجه الخصوص ومقتضيات ذلك الظرفية حيث إن إرادة الله قد وضعت بين يديه أن يحل في زمن قد خلت فيه ساحة البلاد من تلك التداخلات السياسية ومؤثرات القوى الخارجية التي عوقت غيره كما إن الله قد مد في عمره حتى حكم زهاء سبعة وأربعون عاما ليأتي بعهد ذهبي لكننا نقول إن من العدل والإنصاف أن نقيّم كل مرحلة على حدة لنأتي بمحصلة حينها لنقارن مع مرحلتنا الراهنة وحينها سنرى بالطبع إن كل الذي جرى من قبل ممكن حدوثه في أية مرحلة راهنة ومستقبلية مالم يزال أصل ومنبت ذلك الداء الذي يكمن في جسد الأمة حتى اليوم والى ذاك فليتنبه المخلصون

ج7

 

زاهد بني العباس
ومحاولته الاصلاحية التي باءت بالفشل

 

أما تستحي بني العباس أن لا يكون عندهم زاهد مثل عمر بن عبد العزيز

 


الحقبة هي العصر العباسي الثاني والتسلسل بين الخلفاء هو الخليفة الرابع عشر بين خلفاء بني العباس انه الخليفة العابد الزاهد المستعين بالله أبو اسحق محمد بن هارون بن الواثق بن المعتصم وقد كان رجلا وقورا مهابا وفارسا شجاعا قويا وحاكما عادلا متعبدا ولكنه حين التمس لم يجد معينا صادقا ولا نصيرا ناصرا يعينه على القضاء على البلاء في سياسة دولته أما أوصافه فهو اسمر البشرة رقيق الحاشية حسن المظهر طويل اللحية وفي وجهه وسامة ومنحني الظهر قليلا وقد كان عظيم البطن وقد ولد في سامراء بالقاطول ولقب بالمستعين بالله وقد تولى الخلافة في التاسع والعشرين من رجب وقيل أيضا في يوم الأربعاء لثلاث بقين من رجب من العام 255ه ودامت خلافته حتى السادس عشر من رجب من العام التالي 256ه وانه استمر بالصوم طيلة مدة خلافته حتى مقتله وكان حكمه قرابة عام واحد أي إحدى عشر شهرا ونصف وكان عمره عند توليته سبعة وثلاثون عاما وكان قد حكم بما يرضي الله إذ أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وحرّم الشراب ونهى عن القيان واظهر الإنصاف وأقام العدل بين الناس وكان ملتزما بحضور المسجد الجامع ويخطب بالناس ويؤمهم للصلاة على الدوام حتى كان المهتدي رحمه الله أحسن الخلفاء العباسيين سيرة وأظهرهم ورعاً وعدلا وكان يجلس بنفسه للنظر بالمظالم ولا يقبل بمدح احد إليه ويرد من يحاول مدحه بكلام الله بأنه جالس للعدل ولا يقرب قرابة ولا علاقة ما بين الخصوم وكان مقتديا ومتقيدا بسيرة الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز ويجده خير قدوة ويكرر دوما أما تستحي بني العباس أن لا يكون في خلفائهم مثله فكان أكثر الخلفاء عبادة وصلاحا وزهدا في عموم مظاهر الحياة الزائفة وقد أمر في أوائل خلافته بإخراج الأواني من الذهب والفضة ولما أتي بها أمر بسكها إلى نقود والذهاب بها إلى بيت المال العام كما رفع كل الفرش من الحرير والديباج وكل مظاهر الترف وقد حرم الغناء والملاهي وأمر بذبح الكباش التي كان سابقيه من أمر بها للتسامر بالمناطحة ومنع ذلك الأمر ومنع المظالم كلها وخصوصا من أهل بيته وأقاربه وحسم جميع الأمراء من الظلم فكان مثالا للعدل في زمانه وكان يجلس للدواوين والكتاب بيديه فيعملون الحساب أمام عينيه وقد كان همه أن يعدل من أوضاع الخلافة ما كثر ميله وانحرافه وان يقوم ما اعوجّ من أمور الناس واجتهد في ذلك المسعى كثيرا حين وضع نصب أعينه أن يخلص دولته والعباد من هذا الانحراف الخطير الناجم عن الطمع وعدم مخافة الله من المسيطرين على الأمور في خلافة سابقيه وقد لاقى من المشقة الشيء الكثير لأنه كان قد ورث بطانة منحرفة غير مخلصة لكنها قوية كثيرة الأعداد قوية التلاحم فيما بينها تمثلت بتداخل الأتراك والغرباء وغطرستهم حيث لا هم لهم إلا مصالحهم وقد أيقن بذلك جيدا وحاربهم بكل قواه مما استجلب له العداء وأثقل كاهله وارق ليله وأرهقه وهذا ما يفسر قصر مدة حكمه وغدرهم به وقد سعى منذ بداية خلافته جاهدا لأن يشق صف تحالف القادة الأتراك وحاول أن يضرب بعضهم ببعض لحدة ذكائه وفطنته لكنهم كانوا حذرين منه وعلموا انه يود القضاء عليهم خصوصا عندما قرب بايكباك أو باكبال وهو مقدم تركي ليتخلص من القائد موسى بن بغا لكن بالنهاية تمرد عليه القائدان التركيان كليهما فركب لقتالهما في جيش كبير ولما سمعا به رجع موسى بن بغا إلى خراسان وهزم الآخر واظهر السمع والطاعة ولكنه كان يضمر الخداع والمكر فأسره الخليفة وعاد به إلى سامراء وعقد المجلس بشأنه وأشار إليه بعضهم بوجوب قتله لما عرف عنه من الغدر والتقلب وذكره آخر بابى جعفر المنصور حين أمر بقتل أبى مسلم الخراساني وما آل إليه الحال من استقرار الأمور وهنا اخذ المهتدي بالرأي وأمر من فوره بقتله وانتهى أمره ولكن القادة والجند من الأتراك ثاروا واضطرب الأمن وساءت الأوضاع حتى حدثت المواجهة حين ركب الخليفة وأنصاره في الجيش من المغاربة والاسروسنية والفراغنة (وتلك هي صفة الجيش الذي ورثه كدولته) إضافة لمن خرج معه من أهالي سر من رأى حين كتبت الرقاع فيها أن انصروا خليفتكم العادل شبيه عمر بن عبد العزيز ضد خصومه الأتراك فخرجوا جميعا للقتال وتوجهوا تجاه معسكر موسى بن بغا ودارت معركة كبرى وقد حاربهم وانتصر عليهم في بداية المعركة وقتل من الأتراك وحدهم أربعة آلاف ولكن كان في جيشه الكثير من الجند الأتراك الذين انقلبوا ضده وتوجهوا مع جيش موسى وبقي المهتدي يقاتل ببسالة رغم قلة من بقي معه من الجيش حتى جرح بالقتال وفي نهاية المطاف تمكنوا من إحاطته لكثرتهم فأسروه وقيدوه وحبسوه وسلموه إلى حاقد منهم واستمر يعذبه حتى توفي رحمه الله في يوم الخميس لاثنتي عشر بقيت من رجب 256ه وذلك عندما تأكد الأعداء بأنه شجاع وغيور وعازم على القضاء عليهم وانه قد حظي بحب الناس وتقديرهم له لعدله وصلاحه وحسن تدبيره للأمور وان الناس بدأت تلتف من حوله وقد حزن الناس لمقتله كثيرا ورددوا بسر من رأى أن كيف لهم أن يقتلوا عابدا وصواما قواما والخ من عبارات الرثاء في حقه وقد قال عنه نفطويه حيث حدثه بعض الهاشميين انه لما قتل المهتدي وجدوا في بيته سفط للمهتدي به جبة صوف وكساء كان يلبس ذلك ويصلي الليل كما قال أبو العباس بن هاشم بن القاسم الهاشمي كنت عند المهتدي فيبعض عشايا رمضان وقمت لانصرف فأمرني بالجلوس فجلست حتى صلى بنا المهتدي المغرب وأمر بالطعام فاحضر وبه طبق خلاف عليه رغيفان من الخبز وثلاثة صحون واحد به زيت وآخر ملح وآخر به خل فدعاني للأكل فأكلت مقتصرا ظنا مني انه سيحضر طعاما غيره فلما تنبه لي قال أما كنت صائما قلت بلى قال أفلست تريد الصوم في غد قلت وكيف لا وهو شهر رمضان قال فكل واستوف عشاؤك فليس ها هنا غير ما ترى فعجبت من قوله وقلت لم يا أمير المؤمنين وقد أسبغ الله عليك النعمة ووسع رزقه قال إن الأمر على ما وصفت والحمد لله ولكني فكرت في انه كان من بني أمية عمر بن عبد العزيز فغرت لبني هاشم أن لا يكون في خلفائهم مثله وأخذت نفسي على ما رأيت , وقد قال جعفر بن عبد الواحد إني ذاكرت المهتدي يوما بشيء فقلت له كان احمد بن حنبل يقول به ولكنه كان يخالف بعض آبائه فقال رحم الله احمد بن حنبل والله لو جاز لي لأتبرأ من أبي لتبر ائت منه ثم قال لي تكلم بالحق وقل به فإن الرجل ليتكلم بالحق فينبل في عيني ,,,,,
فرحم الله المهتدي ومن اقتدى به ومن كان جده الفاروق عمر ورحم الله كل من حمل لواء هذا الدين وما احسبنا قد أوفينا الرجل حقه ولكنه المتيسر بأيدينا من نتف المعلومات عن سيرته الطيبة الصالحة ومحاولته الإصلاحية .

المعتز

راح قتيلا بين نفوذ الاتراك وبخل امه قبيحة

إنها والدة المعتّز بن المتوكل والذي كان كما يصفه صاحب الفخري انه كان شخصا جميلا حسن الصورة ولم يكن بسيرته ورايه وعقله بأس ولكن الاتراك كانوا قد استولوا على مقاليد الامور منذ مقتل والده مما اضعف الخلافة حينذاك بحسب ما يذكر المسعودي في مروج الذهب’ وان المعتز قد عمل على التخلص من نفوذ زعماء الاتراك وقادتهم ومال الى المغاربة والفراغنة دونهم مما اغاظهم وكادوا له, وتلك عوامل التداخل الخارجي التي اضرت بدولة الاسلام العربية ولم تزل حتى اليوم بين مد وجزر.
عموما نعود لاصل تلك القصة عن بخل تلك المراة الذي اودى بحياة ولدها المعتز فقد كانت ادارة المعتز باختصار قد تاخرت في دفع بعض مرتبات قادة الاتراك لظرف خاص فاتخذ الاتراك من ذلك فرصة للخروج عليه فطالبوه برواتبهم فعجز عن دفعها ثم اسمتهلهم وتوجه الى امه قبيحة وكانت غنية تملك قرابة المليون وثمانمائة الف درهم ذهب عدا الجواهر من ذهب وحلي وزمرد وياقوت ولؤلؤ وغيره من نفائس الاحجار الكريمة فاراد منها ان تمده ببعض المال لاسكات ثورة العسكروالجند في سامراء وكان المال الذي يحتاجه هو خمسون الف فقط ولكنها رفضت وابت الى ذلك سبيلا ولم تكتف بذلك بل انها استنجدت بموسى بن القائد بغا وكانت ثورة الجند قد اشتدت وتفاقمت وقبضوا عليه وقتلوه بزعامة صالح بن وصيف ويصف لنا هنا ابن الاثير كيفية مقتل المعتز بتلك الصورة المروعة عندما دخل اليه جماعة من اولئك حين جروه من ارجله الى باب الحجرة وضربوه بالدبابيس وهي العصا المدببة ومزقوا قميصه واقاموه في الشمس فكان يرفع رجلا ويضع اخرى ودماؤه تسيل وهم يلطمونه وهو يتلقى بكلتا يديه حتى ادخلوه حجرة واتوا بابن ابي الشوارب وجماعة معه واشهدوهم على خلعه وان لامه ولولوده واخته الامان وكانت قبيحة قد اتخذت في منزلها سردابا يؤدي بابه الى خارج القصر فخرجت واخفت ما عندها من مال وجواهر ولم تلتفت لمصير ابنها ومحنته اما اولئك فكانوا قد سلموا المعتز لمن يعذبه فسجن في في سرداب تحت الارض ولم يعطى حتى حسوة ماء عندما طلبها فبقى كذلك حتى مات..
فراح المعتز بين مذبح تسلط الاتراك والعسكر وبين بخل والدته قبيحة….

وقد رثى شاعرين المعتز بقصيدتين مطلع كل منهما
الاول 
عيني لا تبخلي بسفح الدموع —- واندبي خير فاجع مفجوعِ
خانه الناصح السفيه ونالتـــه —- اكف الردى بحتف سريـــع

والاخر
اصبحت مقلتي تسفح الدموعا —- إذ رأت سيد الانام خليعا
لهف نفسي ما كان امـــــــلاه —- —-واسراه تابعا متبوعـــــــا

حدث مقتل الخليفة المتوكل

طالما اشرنا في ما نستقيه من وقائع تاريخنا على موضوعة التداخلات الشعوبية الجانبية التي تطفلت على سياسة إدارة كيانات الأمة العربية والإسلامية ومؤشرات ذلك في رسم الخط البياني لتلك الأمة وعثراتها واليوم سنورد واحدة تدعم ذلك بكل وضوح.
في سنة235 ه وفي عاصمة الدولة العباسية سامراء ولى المتوكل العهد أولاده كما فعل من قبله خلفاء بني العباس حيث ولى محمداً وسمّاه بالمنتصر وأبا عبد الله بن قبيحة وسماه بالمعتزّ وإبراهيم وسماه المؤيّد وقد عقد لكل واحد منهم لواءين
احدهما اسود هو لواء العهد والآخر ابيض هو لواء العمل وقد مدحه الشعراء اثر ذلك بقصائدهم على إن المتوكل رأى أن يقدم ابنه المعتز على أخويه المنتصر والمؤيد لمحبته لوالدته قبيحة كما تورد صفحات التاريخ ويظهر إن ذلك كان راجعا إلى ما حاكه رجال بلاطه من دسائس ومما ذكره الطبري حول ذلك انه كان قد شاع في الناس في أول رمضان من ذلك العام إن أمير المؤمنين سيصلي في آخر جمعة من رمضان بالناس فتهيأ الناس لذلك وسارت الجموع من بغداد إلى سامراء من قبل ذلك الموعد وفيهم أهل المظالم وغيرهم من الذين أرادوا لقاء الخليفة لكلامه وابتدأت الحشود تتجمع فلما كانت تلك الجمعة وقد أراد الخليفة التهيؤ للصلاة بالناس وكان الخليفة متوعكا فقال له عبد الله بن يحي والفتح بن خاقان يا أمير المؤمنين إن الناس قد اجتمعوا وكثروا وفيهم طالب الحاجة والمتظلم ومن أهل بيتك وأنت تشكو ضيق الصدر ووعكة فان رأيت أن تأمر أحدا من بعض ولاة العهود عوضا عنك فقال قد رأيت ما رأيتما وهنا أمر المنتصر للصلاة بالناس فلما نهض المنتصر وامتثل للأمر ليركب للصلاة قالا مرة أخرى وهما لا يودان المنتصر كونه يقرب الأتراك يا أمير المؤمنين هلا أمرت إن رأيت اباعبد الله المعتز للصلاة لتشرفه بذلك في هذا اليوم الشريف سيما وان المعتز قد ولد له ولد بالأمس وقد اجتمع له أهل بيته وقد بلغ الله به فتفكر الخليفة ووافق وأمر المعتز بان يركب للصلاة بالناس فتوجه المنتصر من ساعته إلى منزله وكان بالجعفرية بسامراء وقد عزّ عليه ذلك الأمر وزاد من أساه أما المعتز فانه لما أكمل خطبته وقد كانت رائعة فقد كان خطيبا مؤثرا وفرغ من صلاته قام إليه عبيد الله ابن يحي والفتح بن خاقان فقبلا يديه ورجليه ثم انصرفا معه في موكب الخلافة والناس بين يديه حتى عادوا إلى قصر المتوكل ودخلوا جميعا إلى قصر الضيافة ودخل معهم داود بن محمد بن أبا عباس الطاووس وقد استأذن الخليفة للكلام فإذن له وهنا قال يا أمير المؤمنين لقد رأيت الأمين والمأمون والمعتصم ورأيت الواثق بالله فوا لله ما رأيت رجل على منبر أحسن قواما ولا أحسن بديهة ولا اجهر صوتا ولا أعذب لسانا ولا اخطب من المعتز بالله اعزه الله ببقائك فقال له المتوكل أسمعك الله خيرا , فلما كان من يوم الأحد وقد حل يوم الفطر بالعيد فأمر المتوكل ولده المنتصر بالصلاة بالناس وهنا اعترض ألمقربين من المتوكل ومنهم الفتح وقالوا إن الناس لم يروك في آخر جمعة وكانوا قد تطلعوا لذلك فهلا خرجت لهم كي لا يستعوقوك ويكثر الحديث فوافق المتوكل وخرج للصلاة بالناس ولما فرغ عاد إلى قصره وأما المنتصر فقد غضب لذلك الأمر كثيرا واعتبره ضده مرتين فعزم على تدبير موآمرة مع قادة الأتراك لاغتيال أبيه الخليفة المتوكل ولا غرو فقد حاول بعض الأتراك من الملتفين حول المنتصر قتل المتوكل بدمشق ولكنهم أخفقوا في تدبيرهم بفضل القائد بغا الكبير والفتح بن خاقان وهنا ذكر المسعودي ( وقد كان الأتراك قد رأوا إنهم يقتلون المتوكل بدمشق فلم يمكنهم فيه من حيلة بسبب بغا الكبير فهو من حال بينه وبينهم ) لذا قام أولئك بتدبير مكيدة جديدة فطرحوا في مضارب المتوكل رقاعا يقولون فيها إن بغا قد دبر ليقتل أمير المؤمنين والعلامة في ذلك أن يركب في يوم كذا في خيل وجماعة من الغلمان العجم ليفتكون به بينما كتبوا رقعة أخرى ورموها في مضرب بغا تقول إن جماعة من الغلمان والأتراك قد عزما على الغدر بالخليفة في الموعد نفسه لتتم المكيدة , فقرأ المتوكل كغيره الرقاع ووقع في نفسه كثيرا وقد نجحت المكيدة التي خططها أولئك فدخل في قلبه من ذلك القائد غيظا كثيرا وقد شكا ذلك إلى الفتح وقال له في أمر بغا وشاوره في أمره وهنا قال له الفتح يا أمير المؤمنين إن من كتب الرقاع قد جعل للأمر دلالة في وقت معين فانا أرى أن تمسك ذلك لنتبين الدليل وعندها نظرنا كيف يفعل وان بطل ما كتب فالحمد لله
ولما أتى الموعد وخرج القائد لتدراك الأمر الذي عرفه من الرقعة التي رميت إليه تأكد الخليفة مما قراه بالرقاع فغضب الخليفة وامسك عن الماء والطعام في قصره إلى المساء وبغا قائم يحرسه لخوفه عليه ولكنه يظن العكس بموجب ما صور إليه ولم يعلم الطرفين إن الحيلة التي دبرها الموالي قد سرت عليهما معا وفي الصباح أمر المتوكل أن يخلف بغا إلى الشام وان يسافر من فوره وامتثل وغادر إلى الشام تاركا الساحة لأولئك وهو حيران لكن ما عساه أن يفعل وقد كان الذي تآمر عليهما هم بغا الصغير مع باغر وغيرهم وهنا قال المسعودي انه لما اقبل المساء ومضت ثلاث ساعات من الليل اقبل داغر ومعه عشرة أنفار من الأتراك وهم ملثمون والسيوف تلمع في أيديهم على ضوء شموع القصر فهجموا على مجلسه الخليفة وقام داغر وآخر من الأتراك معه بالصعود على سريره فقام إليهم الفتح لينجد الخليفة وقد صاح بهم ويلكم انه مولاكم وانه لم يبقى من المجلس غير الفتح وهو يحاربهم ويمانعهم وقد قال البحتري فسمعت صيحة المتوكل عندما ضربه باغر بالسيف الذي كان المتوكل قد أهداه إليه على جانبه الأيمن إلى خاصرته ثم ثناه على جانبه الأيسر بنفس الحالة وانه لما اقبل الفتح يمانعهم بعج احدهم بطنه بالسيف فأخرجه من متنه وهو صابر لا يتنحى ولا يزول فما رأيت أحدا كان أقوى نفسا ولا أكرم منه فطرح بنفسه على المتوكل فماتا معا ولفا في بساط واحد وطرحا ناحية فلم يزلا كذلك في ليلتهما وعامة نهارهما حتى استقرت الخلافة للمنتصر كما خطط لذلك فأمر بهما ودفنا في سامراء سنة247ه بعد أن أعلن إن الذي قتل المتوكل هو الفتح بن خاقان وان المنتصر كان قد قتله انتقاما لوالده في تلك الدسيسة والمؤامرة التي توحي بقذارة السياسة منذ ذلك الحين فتسلم القاتل مقاليد حكم أباه وبويع له والناس تأخذ بالظاهر ولكن التاريخ هو الذي يسجل كل شاردة وواردة في ضمائر المؤرخين من المنصفين

قليلا من الانصاف لخلفاء بني العباس

بعد ان تناولنا بحثنا عن العصر العباسي الثاني بذلك التبسيط الذي اردنا به ان يطلع الشباب العازف عن قراءة تاريخه والخروج من دائرة الملل الذي ينتاب البعض منهم حيال الموضوعات التاريخية نريد هنا التطرق لامر هام حول انصاف دور بعض الخلفاء العباسيين مما اصابهم من فداحة نقد بعض اقلام ظالمي التاريخ وما وراء ذلك من اجندات خفية راجين دعمكم في سبيل نصرة الحق ,
لقد كثر الحديث ومنذ زمن من قبل المؤرخين والمثقفين عن تلك المرحلة المؤلمة في سير تاريخ الدولة العباسية وقد كان المنصفين منهم في الغالب يعرضون الأمر على حاله بحيادية مع التذكير بموضوعة التوريث بالحكم وتعلقها بالشورى دونما التأشير الإيحائي الظالم بمنهج سلبي منحاز ضد شخوص خلفاء دولة بني العباس تحديدا وهو الذي انتهجه البعض على مدى سير التاريخ وحتى اليوم من قبل بعض الشوفينيين الطائفيين الذين يريدون عين ذلك التوريث ولكن من زاوية أخرى يعينهم في تلك الدفوع المغرضين وأنصاف المثقفين من الحاقدين على أية مسعى توحيدي يروم أن يجمع العرب والمسلمين ككيان في هذا العالم وقد تمادى البعض منهم بذلك حين لم يكفوا ألسنتهم عن محاولة النيل من تلك الحضارة عن طريق توجيه النقد المباشر بالإسفاف إلى الخلفاء في غير مناسبة لكنا نقول اليوم وبعد تلك المراجعة التاريخية التي أشرت على بدايات أسباب ذلك التراجع ومسبباته إن لكل الأحداث المتراكمة على الدوام وحتى أيامنا الراهنة أسبابها إلى جانب تداعيات أخطاء متراكمة وليس من الضرورة أن يكون من يشار إليهم بالخلل هم وحدهم المسئولين عن كل ذلك سيما وان الأمة مستهدفة بأعلى درجات الاستهداف الخبيث الذي لما يزل دائرا بيننا حد أيامنا الراهنة حيث رغم كل ما أتيح لأبناء هذا العصر من نور وعلم وسعة ثقافة وحصانة فكرية سياسية تدعمها القوى التسليحية والتعبئة العسكرية التي تحوزها دول امتنا المفككة إلا إنها أثبتت من جديد إنها ومع كل ذلك عرضة لكل ما جرى مع ومرر على كواهل رجالات حقبة ظلمها التاريخ ولقد ابتدأ التراجع في بادية العصر الثاني بسبب تعاظم نفوذ أصحاب التداخلات الخارجية التدريجي والذي كانت له أسبابه بمكائد معدة من قبل أعداء الأمة ولكن هذا لا ينفي جهد محاولات جريئة قام بها بعض الغيارى من الخلفاء على دولة الإسلام بحسب مستطاعهم عندما حاولوا تخليص الخلافة مما علق بها من تداخلات ليسوا هم من كان السبب بوجودها في الأصل وحتى وصل الحال لما وصل إليه فالكثير منهم قد حاول أن يغير الوضع القائم الذي وجده وان ينقلب عليه ليخلص مصير دولته بشتى السبل المتعددة وكان من بينها المواجهة الجريئة التي وصلت حد القتال المشرف الذي كلفهم أرواحهم ودمائهم الزكية التي راحت على مذبح ذلك الخطر الساعي بنا حتى اليوم لكن أولئك الخلفاء الغيارى لم يتح لهم قدرهم وعظم بلاؤهم وهم بذلك المستوى من الشجاعة والغيرة والإقدام على إتمام الأمر خصوصا وان الأعداء يتربصون بهم بشدة ليحكموا الطوق على أعناقهم وهذا ما يفسر لكم مدة الحكم القصيرة التي أتيحت لهم والمؤشرة إزاء كل منهم حتى أتت حقبة الضعف الأكبر في ذلك الخط البياني الذي رأيتم فيه دولة بني العباس من عهد المعتضد وحتى النهاية المأساوية بسقوط الدولة العباسية وبغداد في عهد المستعصم التي أودت بكل شيء وقد وجدنا من يشيد دوما بمحاولات الإحياء والإصلاح التي جرت في تلك الحقبة كما جرى في عهد الخليفة الناصر لدين الله على وجه الخصوص ومقتضيات ذلك الظرفية حيث إن إرادة الله قد وضعت بين يديه أن يحل في زمن قد خلت فيه ساحة البلاد من تلك التداخلات السياسية ومؤثرات القوى الخارجية التي عوقت غيره كما إن الله قد مد في عمره حتى حكم زهاء سبعة وأربعون عاما ليأتي بعهد ذهبي لكننا نقول إن من العدل والإنصاف أن نقيّم كل مرحلة على حدة لنأتي بمحصلة حينها لنقارن مع مرحلتنا الراهنة وحينها سنرى بالطبع إن كل الذي جرى من قبل ممكن حدوثه في أية مرحلة راهنة ومستقبلية مالم يزال أصل ومنبت ذلك الداء الذي يكمن في جسد الأمة حتى اليوم والى ذاك فليتنبه المخلصون .

.

سر من رأى في خدر تاريخ بني العباس

بعض مجريات الأحداث بتلك العاصمة

أسماء تعددت وجميعها تخص مدينة عراقية جميلة هي سامراء الحالية (سُرّ من رأى) (وسام را) وكل هذه الأسماء ترمز إلى هذه المدينة الغابرة في تاريخ بلاد السواد والتي أنشأها سام بن نوح على ارض جوخى وسهل الطيرهان بحسب الروايات التاريخية القديمة ثم عمّرها وأعاد البناء على أطلالها فيما بعد الخليفة العباسي المعتصم ومن بعده ولده المتوكل الذي بالغ في تطويرها وزيادة رقعتها الجغرافية فجعلوها بذلك من اضخم عواصم الدنيا إذ بلغت مساحتها الإجمالية وقتئذٍ نحو 225كم مربع عدا مساحة البساتين والقصور على الجانب الأيمن من نهر دجلة والحدائق المفتوحة المخصصة لكل أنواع الحيوانات والطيور والوحوش
فعندما غادر المعتصم بغداد عاصمة آبائه وأجداده منتقلا ومتجها صوب الشمال ليتخلص من دواعي الاحتكاك بين جنده وأهل بغداد بعد أن تكاثرت المشاكل وكثرت شكاوى الناس من توالي مضايقات واعتداآت الجند وتصادمهم مع الناس الذين كانوا كلما شكوا من ذلك واعدهم المعتصم بالحد من ذلك الأمر وان يجد له حلا حتى فاض بهم فهددوه بنهاية المطاف أن يشكوه إلى الله من هذه المظلمة وان يدعون عليه بالأسحار بسهام الليل فقال هذا ما لا طاقة لنا به أبدا.
لذا فقد عزم المعتصم على الخروج بجيشه من بغداد الضيقة إلى مدينة واسعة يبتنيها بعد أن يختار لها موقعا ينتخب بعناية من قبل لجنة خاصة شكلت لهذا الغرض وغادرت بغداد بحثا عن المراد وذلك موضوع خاص لما انتهى رحل المعتصم في سنة 220هجري بعد أن خلف في بغداد ولده الواثق عندما تم اختيار موضع مدينته الجديدة واستقر به المقام لاختيار أحلى موقع في سهل الطير هان كما كان يطلق عليه وتحديدا على أطلال ثاني اقدم قرية عرفها العالم بعد الطوفان وهي سام را التي قيل إن الذي ابتدأ بنائها نوح عليه السلام وقيل أيضا إن الذي ابتناها وعمرها هو سام بن نوح عليهما السلام ودعا لها ولأهلها أن لا يصيبها سوء ولا فرق فكلاهما في نفس الحقبة لكن الأرجح إن نوح عليه السلام هو الذي اتخذها بعد نينوى مع ولده وفي حياته فقد اتخذا بحسب الحموي في معجمه من شاطئ دجلة من الموصل وحتى سام را طريقا سميت المدينة باسمه وهو بالآرامية (طريق سام) والأرجح إنه تم بنائها للاصطياف بها وبقيت في كنف التاريخ وخضعت لتداخل الروم والفرس والصراع فيما بينهما وتوجد دلائل لذلك كالأديرة المنتشرة حتى بلاد الشام ولما دخلها المعتصم لم يجد بها سوى دار كان قد أمر ببنائه جده الرشيد في القاطون أو القاطول ودير للنصارى فتفاهم معهم حول شراء الأرض بعد أن اخبروه انه قد ورد بأخبارهم بأن المدينة ستعمر يوما على يد أحد الملوك الصالحين وستعود حاضرة للدنيا من جديد فاستبشر المعتصم وأمر بالتهيؤ للعمل ثم ابتدأ حراك ضخم للمباشرة بعمل كبير جبار يراد منه إنشاء أسس مدينة كبيرة تصلح كعاصمة جديدة تليق بدولة الخلافة العباسية وبالخليفة المعتصم وجيشه الضخم لذا قد تم استقدام الأيدي العاملة والبناءين المهرة والفنيين على اختلاف صنوفهم كما ابتدأت حملة جلب المواد الأولية للبناء بأنواعها من شتى أرجاء العالم حتى انه أقيم في بلاد الشام باللاذقية معمل خاص لتجهيز ألواح وقطع المرمر المطلوبة لكساء الأبنية بالأحجار والمرمر وكان العمل يجري سريعا ومستمرا لعام ونصف تقريبا لكنها فترة قياسية كون العمل كان تحت إشراف مباشر من لدن المعتصم بنفسه وأمر ببناء قصره واسماه بالجوسق وببناء المساكن للقادة والجند والشوارع واسماها بأسماء القادة كما أمر بان يفصل بين الأعراق لتجنب إثارة المشاكل ففصل بين الجميع بمناطق سكنية متنوعة فيها مساجد وأسواق وكل مستلزمات الحياة وقد باشر المعتصم غالب أمور دولته من هناك بنحو 221ه وقد استلزم الإنجاز كلفة باهظة إلا إن ذلك تلاشى عندما انتهت مرحلة الإعمار التي أسفرت عن أبهى واجمل مدينة في عصرها تغنى بها كبار شعراء العرب كثيرا ليصفوا بهائها وجمالها الأخاذ.


ومن قصور مدينة المعتصم/-
القصر الكلفة
1/ قصر الجعفري: ألفي ألف درهم ذهب.
2/قصر العروس: ثلاثون ألف دينار
3/قصر المختار: خمسة آلاف دينار 
4/قصر الوحيد: ألفي ألف دينار
5/قصر الجعفري المحدث: عشرة آلاف درهم
6/قصر الغريب: عشرة آلاف درهم
7/ قصر المليح: خمسة آلاف درهم
8/ قصر الصبح: خمسة آلاف درهم
9/بستان الإيتاخية: عشرة آلاف درهم
10/التل علوه وسفله: خمسة آلاف درهم
11/ قصر الجوسق: خمسة آلاف درهم
12/المسجد الجامع : خمسة عشر ألف دينار
13/ قصر بركوان للمعتز: عشرة آلاف دينار
14/ قصر القلايد: خمسين ألف بها أبنية
15/ قصر الجوسق: خمسين ألف
16/ قصر الغرّد : ألف ألف درهم
17/ الماجوزة بالمتوكلية :خمسين ألف دينار
18/ قصر البهو: خمسة وعشرين ألف
19/ قصر اللؤلؤة : خمسة آلاف درهم
وقد توفي الخليفة المثمن المعتصم بعد سبعة سنوات فقط من إنجاز مدينته سر من رأى قضاها مستمتعا في مدينته الجديدة الرائعة حتى توفي بها في سنة 227ه ودفن في باحة قصره الجوسق .
أما مدينته فإنها هي الأخرى لم تدم في خدر هذا الخيال والجمال لأكثر من نصف قرن ونيف أي نحو خمسة وخمسون عاما فقط حكم فيها بعد المعتصم سبعة خلفاء آخرين ثم هجرت بعد ذلك وساء حالها واصبح اسمها ساء من رأى ولما تردى به حالها حينما عزلت عن الحراك فأصبحت ملاذا لقطاع الطرق والسراق والعابثين والخارجين على القانون.
وعود على عصر آخر , فأما الواثق فانه لما غادر بغداد بعد ان استخلفه والده عليها فقد انتقل الى سر من رأى وجلس للحكم بعد وفاة والده نحو خمسة أعوام ثم مرض حتى داهمه الأجل في 232ه ودفن بسامراء في ساحة قصره الهاروني   . 

 

الخليفة الواثق بالله

 

قراءة تاريخية معاصرة

 

بداية عهده

واسمه محمدا وقد كان منذ حداثته راجح العقل بصيرا بتصريف الأمور وسياسيا ماهرا موصوفا بكثير من الخلال التي جعلت والده الخليفة المعتصم يعتمد عليه ومن ثم يوليه العهد وقد لقببالخليفة الواثقبالله ثم تولى الخلافة في شهر ربيع الأول من سنة 227هوهو تاسع خلفاء بني العباس وقد اقتدى بابيه في الاعتماد على الأتراك الذين كثر عددهم وشغلوا المناصب العالية في الدولة فولى اشناس التركي السلطة وتوّجه بتاج مرصع بالجواهر , وفي بداية عهده بدأت الفتن والثورات وتعاظمت كثيرا من المشاكل فقد ثارت القيسية ابتداء بدمشق فحاصروا واليها فأرسل إليهم جيشا بقيادة رجاء بن أيوب الذي انتصر عليهم في مرج راهط وقتل منهم نحو ألف وخمسمائة وانهزم الباقون وعاد الأمن إلى نصابه(أبو الفدى, المختصر في أخبار البشر ج2ص35) .

 

وقد ذكر الطبري إن بني سليم وغيرهم من البدو عاثوا في بلاد الحجاز ببداية عهد الواثق فنهبوا الأسواق وامتد أذاهم إلى كثير من الناس وقطّعوا الطرق وأوقعوا بجند والي المدينة المنورة فأرسل إليهم الواثق جيشا آخر في شهر شعبان سنة 230 ه بقيادة بغا الكبير وهو أحد قواده الأتراك فقتل منهم نحو خمسين رجلا واسر مثلهم وقبض على نحو ألف رجل منهم ممن عرفوا بالشر والفساد وحبسهم بالمدينة ثم سار لإخضاع بني مرّ في اليمن بعدن ولما تحرك بجيشه حاول الذين اعتقلهم الخروج من الحبس وثاروا في المدينة فأحاط بهم أهلها وقتلوهم عن آخرهم وبعدها عاد بغا إلى مركز الخلافة بسامراء بعد أن اقر الأمن في جزيرة العرب الشمالية كما اشتبك في عدة حروب مع القبائل المناوئة للخلافة في أواسط هذه البلاد وجنوبها على غير جدوى,

 

يتبع

 

(الواثق يسير على سياسة أبيه في الانتصار للمعتزلة وتشدد في فرض آرائه على الناس مما أدى إلى إثارة خواطر أهل بغداد فتآمروا عليه).

 

الخليفة الواثق بالله

قراءة تاريخية معاصرة

اشتداد عرى الفتنة

لقد سار الخليفة الواثق على سياسة أبيه الخليفة المعتصم في الانتصار للمعتزلة وقد تشدد في فرض آرائه الدينية على الناس مما أدى إلى تفاقم عرى تلك الفتنة الكبيرة التي أدت في نهاية المطاف إلى إثارة خواطر أهل بغداد من العلماء وغيرهم فتآمروا على الخلافة وكان على راس الساخطين على الخليفة ممن أنكروا القول بخلق القرآن وحملوا على الواثق بحملة شعواء هو الشيخ احمد بن نصر كما انهم دعوا لعزله( وهذا ما يذهب به البعض لإيحاء إنها حركة لأجل الحكم ولكن المتواتر إنها لم تكن كذلك) والتف حول الشيخ كثير من أنصاره الذين أرادوا التآمر حتى عينوا يوما ينفذون به مؤامرتهم على أن يضربوا الطبول في الليلة السابقة لذلك اليوم بيد أن الرجلين اللذين عهد إليهما بتنفيذ ذلك الأمر اكثرا من (شرب الخمر) في تلك الليلة واخذ الفريق الثاني الذي يرابط على الجانب الشرقي يدق الطبول فلم يجبهم أصحابهم الذين رابطوا بالجانب الغربي فكشفت المؤامرة قبل أن يستفحل خطرها وقبض على الشيخ احمد بن نصر وأعوانه وسيقوا إلى الخليفة الواثق في سامراء قاعدة خلافته فعقد لهم مجلسا للمناظرة وطرحت مسالة الشغب والخروج على الخلافة جانبا وناظر الخليفة الشيخ احمد في مسالة خلق القران فقال له يا احمد ما تقول في القران قال كلام الله قال امخلوق هو؟ قال هو كلام الله قال فما تقول في ربك أتراه يوم القيامة قال يا أمير المؤمنين جاءت الآثار عن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم انه قال ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته فنحن على الخير فقال الواثق لمن حوله ما تقولون فيه فقال القاضي عبد الرحمن بن اسحق هو حلال الدم وقال غيره اسقني دمه يا أمير المؤمنين ووافقه الحاضرون إلا ابن أبي دؤاد قاضي القضاة فانه قال يا أمير المؤمنين كافر يستتاب لعل به عاهة أو تغير عقل فقال الواثق إذا رأيتموني فقد قمت إليه فلا يقومن أحد معي فاني احتسب خطاي إليه ودعا بالصمصامة سيف عمرو بن معد يكرب الزبيدي ذلك الفارس العربي الذي ذاع صيت سيفه وكان قد اهدي إلى الخليفة الهادي العباسي وورثه خلفاؤه من بعده , فضربه على عنقه ورأسه وضرب إحدى خاصته فقطع عنقه وحز رأسه وحمل إلى بغداد وصلب بالجانب الغربي أياما وفي الجانب الشرقي أخرى ووضعت في إذنه رقعة كتب فيها( هذا راس الكافر المشرك الضال احمد بن نصر بن مالك ممن قتله الله تعالى على يدي عبد الله هارون الامام الواثق بالله أمير المؤمنين , بعد أن أقام عليه الحجة في خلق القرآن ونفي التشبيه وعرض عليه التوبة ومكنه الرجوع إلى الحق فأبى إلا المعاندة والتصريح والحمد لله الذي عجل به إلى ناره وأليم عقابه(الطبريج11ص17/18)
يتبع
في الجزء القادم سياسة الواثق مع رجال الدولة

 

سياسة الواثق

لقد تمتع ولاة الأقاليم في عهد الواثق بنفوذ كبير وقد كان منهم عبد الله بن طاهر بن الحسين يدبر شؤون ولاية خراسان وطبرستان وكرمان كما اسند الواثق للقائد التركي اشناس أعمال الجزيرة والشام ومصر والمغرب فولى عليها ولاة من قبله ولكنه كان مقيما بسامراء مركز الخلافة العباسية لكن الضعف والتحكم والتداخلات السياسية كانت قد بدأت للتو تنهش بجسد تلك الدولة وبانت علائمها بسياسة الحكم التي شابت عهد الواثق فبات يحس بذلك حتى انه سال أحد جلسائه في إحدى الليالي أن يقص عليه قصة البرامكة التي حدثت وقائعها في عهد جده الرشيد فحدثه بها الرجل وبقي الواثق منصتا وعرف كيف انتزع الرشيد منهم الأموال حتى أتم سماع القصة فقال لقد صدق والله جدي إنما العاجز من لا يستبد فلم يمض أسبوع واحد حتى أوقع بكتابه واخذ من كل واحد منهم مبلغا يتراوح بين أربعة عشر ألف والف ألف دينار عباسي أي (مليون) وهنا نقف على أسباب منحى تفشي الفساد والرشوة بين رجال الدولة بذلك العهد (الطبري ج11ص10/12) .

ولقد ذكر المسعودي إن احمد بن أبي دؤاد المعتزلي والوزير محمد بن عبد الملك الزيات كانا قد غلبا على الواثق فكان لا يصدر أمرا إلا عن رأيهما وكان قد قلدهما الأمر وفوض إليهما ملكه .

 

ولقد كان الواثق لا يبارى في علمه وأدبه حتى سمي بالمأمون الأصغر لأدبه وفضله(تاريخ الخلفاءص227وانه شغف بالوقوف على آراء العلماء والحكماء فطلب من حنين ابن اسحق أن يؤلف له كتابا يذكر فيه الفرق بين الغذاء والدواء والمسل وآلات الجسد فألفه واسماه (كتاب المسائل الطبيعية)(مروج الذهب ج2ص366مما يعطي انطباعا إن الواثق كان ميالا لمتابعة العلم والعلماء وقد حكم الواثق قرابة ست سنين وتوفي في شهر ذي الحجة من سنة232 ه وبوفاته يكون قد انتهى العصر الذهبي للدولة العباسية وتلك نتيجة طبيعية لتلك السياسة التي سار عليها والده المعتصم الذي اعتمد كليا على الأتراك في الجيش واثروا على سياسة الدولة عندما احلهم محل العرب وبما تسبب أولئك من إثارة خواطر الأهالي والعلماء بسبب إطلاقهم وتمسكهم بالبدع الدينية الضالة.

وقد ذكر المسعودي أيضا وصف أحد الأعراب رجال الدولة في عهد الواثق فقال ذكر أبو تمام حبيب بن اوس الطائي الجاسمي نسبه إلى جاسم وهي قرية من أعمال دمشق بين بلاد الأردن ودمشق بموضع يعرف بجاسم على أميال من الجابية قال خرجت في أيام الواثق إلى سر من رأى فلما قربت منها لقيني إعرابي فاردت أن اعلم خبر العسكر منه فقلت يا إعرابي ممن أنت قال من بني عامر قلت كيف علمك بعسكر أمير المؤمنين قال قتل الله أرضا عاملها (أي العسكر) قلت ما تقول في أمير المؤمنين قال (وثق بالله فكفاه أشجى القاصية وقصم العادية ورغب عن كل ذي جناية) قلت فما تقول في احمد بن أبي دؤاد قال هضبة لا ترام وجبل لا يضام تشحذ له المدى وتنصب له الحبائل حتى إذا اقبل كان قد وثب وثبة الذئب وختل ختلة الضب قلت فما تقول في الوزير محمد بن عبد الملك الزيات قال وسع الداني شره ووصل إلى البعيد ضره له في كل يوم صريع لايرى فيه اثر ناب ولا مخلب,,, والى نهاية رواية ذلك الإعرابي التي أردنا من ذكرها هنا الإشارة إلى إن بطانة الرجل كانت سيئة كما هو الحال دوما حد أيامنا الراهنة دونما يتعظ أحدا, وقد كان لها كبير الأثر على التأثير على سياسة الخليفة الواثق رغم كل ما ذكر عن الرجل من صلاح وقد تزامن ذلك مع سيره على خطى والده بمسالة الاعتزال وتبنيها بشدة والموقف الحاد بعدم تقبلهم لرأي مخالفيهم واعتبار أفكارهم من الزندقة بذلك المنحى المتطرف الذي كان من الممكن تلافيه فحتى لو صح في أذهانهم مجازا ونهم اعتبروا إن التسليم برؤية الله عز وجل وكلام الله في القرآن إنها مسائل لا يصح التعرض لها وقتئذ فقد كان من المفترض تحجيم ذلك بأية وسيلة من غير الاستتابة واقامة الحجة والقتل بل بالحوار والإقناع وليس إقحام الأمة بذلك الصراع الذي كلفها كثيرا من الفتن والدماء والأحقاد وعوق الحراك العلمي الفكري الديني وشق صفوف المؤمنين ومؤداه في إضعاف دولة الإسلام إضافة لتفاقم سير التداخلات السياسية بالميل إلى الاعتماد على الأتراك على منحى والده أيضا وتلك كانت هي اكبر العوامل التي شابت خلافة الواثق بن المعتصم

 

واتى عصر المتوكل الذي انشغل في بادئ الأمر بتطوير سر من رأى ولكنه تحول عنها فجأة وكان بسر من رأى سجن كبير يقال له المطبق وقد كان المتوكل حفيد المعتصم هو أول من قرر مغادرة سر من رأى بعد أن عمّر فيها كثيرا وأمر ببناء المسجد الكبير وقصره الجعفري لكنه اتجه صوب دمشق في عام 244ه ليقيم بها في قصر المأمون بين داريا ودمشق وبقي هناك لمدة شهرين وعدة أيام وبعدها لم يستطع البقاء إذ لم يستطيب جوها فقفل راجعا وعاد من فوره إلى سر من رأى ليستكمل تطويرها ويواجه بها ما خطه له القدر .


فوارة كأس الفرعون في مسجد سر من رأى

عندما عاد المتوكل من بلاد الشام إلى سر من رأى باشر بحملة اعمار وتطوير أسهمت بتطور المدينة قبل أن يتحول عنها إلى بناء المتوكلية جوارها ويشاهد في كتب التاريخ والمستكشفين بعض الصور لأطلال جدران المساجد العالية ودور الحكم والقصور في عاصمة الخلافة العباسية التي انفق لأجل إتمام بنائها مبالغ خيالية تتساءل من فورك ترى كيف كان منظر تلك القصور الشواهق والجدران العالية في ذلك الزمن فتأتيك الإجابة من عمق صحائف التاريخ التي تشير بأنها كانت مغلفة ومزدانة بالنقوش وأحلى أحجار الزينة الملونة وفي جوار المئذنة الملوية وفي وسيط ساحة الجامع الكبير الذي بناه وعمّره الخليفة العباسي المتوكل في سر من رأى والذي لما يزل يعد من اكبر المساجد الإسلامية بالعالم حتى اليوم كانت هناك فوّارة مياه عظيمة تبهر الناظرين يرتفع في وسيطها كأس كبير من الرخام المطعم يشابه كأس الفرعون فسميت تلك الفوارة بكأس فرعون وقد وصفها المستوفي بأنها قطعة واحدة من الحجر محيطها ثلاثة وعشرون ذراع وارتفاعها سبعة اذرع وسمكها نصف ذراع وقد أثبتت التنقيبات وحفريات المسكتشف الألماني هرتسفيلد إن الأساس الأسطواني لقاعدة تلك النافورة الكبيرة كان مبنيا بدقة بالغة بالطوب أي الطابوق مع الجير والرماد ليقاوم تأثير الماء الذي ينساب خلاله وأن كأسها كانت ترتكز على قاعدة مكسوة بالرخام ومزدانة بالتيجان والزخارف المُذهّبة ومطعّمة بالفسيفساء والحلي الزجاجية وقد أعدت فوقها سقيفة دائرية لتظلل عليها وهي من خشب الساج وإنها كانت تستمد مياهها من قناة المتوكل التي شقها إلى مدينته المتوكلية من نهر دجلة
المتوكلية
وهي المدينة التي ابتناها المتوكل وانفق عليها مبالغ كبيرة ليوصل إليها سبل الحياة والماء ليتمتع بها وليجعلها توازي سر من رأى ولكن حال دون ذلك قدره المحتوم الذي كان بانتظاره بعد أن أنجز بناء مدينته المتوكلية والتي سميت على اسمه وانتقل إليها بعد اكتمال بنائها في عام 247ه ولم تدم له فقد قتل هناك على يد باغر التركي وكان أحد قادة الجيش المتنفذين ويقال إن المتوكل قد دفن في المتوكلية وبقيت أصابع الاتهام تتجه نحو ولده المنتصر بالتخطيط لتلك الفعلة مع بعض القادة الاتراك وذلك التصرف كان منطلق المساس بحرمة خلفاء بني العباس وأول التجاسر عليهم بتلك الجرأة .
لكن القدر لم يمهل المنتصر فقد جازاه الله فلم تدم له بعد والده أيضا اذ لم يحكم سوى اقل من عام واحد فتوفي ودفن بسامراء في ساحة قصر الجوسق والذي كان والده المتوكل قد أهداه له وأنزله إياه من قبل في حياته وقيل إن المنتصر هو أول من اظهر له قبر بطلب من والدته .
أحداث هامة حدثت بسر من راى في تلك الحقبة

وقد حدثت في عام 235ه فتنة فقد ظهر مدعي نبوة في المدينة وهو محمود بن الفرج النيسابوري الذي زعم انه نبي وانه ذو القرنين وتبعه نحو سبعة وعشرون رجلا فلما وصل خبره إلى المتوكل أمر بجلبه وإعدامه على الفور .
في عام 251ه تم قتل باغر التركي قاتل المتوكل على يد القائد وصيف.
وفي عام 252ه وأثناء فتنة صراع المعتز والمستعين وانشغال الجيش بها اجتمع بعض السراق من فنهبوا سوق الجوهريين والصيارفة الرئيسي في المدينة.
وفي عام 253ه حدثت فتنة في ربيعة بالموصل قام بها رجل هو ساور بن عبد الحميد فقد طرد عامل الموصل من بني شيبان وتقدم إلى سامراء وكان ذلك آخر تحرك له فقد قضي عليه هناك وانتهى أمره.
وقد حدثت فتنة أخرى من قبل الأتراك فخرج لهم القائد وصيف فقتلوه وقطعوا رأسه.
وفي عام 254ه توفي الإمام علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الإمام الحسين الملقب بعلي الهادي ولما أرادوا تشييعه لم يتمكنوا من شدة الزحام فدفن في داره في محلة العسكر بأمر الخليفة وكان قد سمي بالعسكري نسبة لمحلته في المدينة .
وقد كثرت الفتن ولم تهدأ الأحوال في المدينة والبلاد إلا عندما انتهت فتنة الصراع بين المعتز والمستعين وقد قتل المستعين في واسط وجلب رأسه إلى قصر الخليفة المعتز في سر من رأى وهو يلعب الدست أي الشطرنج فلما فرغ من لعبته قام ونظر إلى رأس المستعين ثم أمر بدفنه في مقبرة الخلفاء بسامراء بالجوسق .
وبعد نحو عامين وفي سنة 255ه دارت دوائر القدر على المعتز فقد اختلف المعتز مع الجند الأتراك بسبب تأخير استلام رواتبهم فخرجوا عليه وثاروا ثم قبضوا عليه وعذبوه في العراء تحت أشعة الشمس الحارقة وقيل انهم ادخلوه الحمام واكتوى بالماء الحار ثم أخرجوه فضربوه بالدبابيس الحديدية حتى أغشي عليه ثم رفعوه وادخلوه سردابا بإحدى الأبنية بسامراء وجصصوا باب ذلك السرداب حتى مات فيه.
وقد قتل الخليفة المهتدي زاهد بنو العباس من قبل الأتراك أيضا لما حاول الحد من نفوذهم ففشلت محاولته ولقى مصيرا مؤلما فقد قتل ودفن بمقبرة المنتصر وهي بقصر الجوسق في سر من رأى.
وفي سنة 258ه حل وباء شديد شمل بغداد وواسط وسر من رأى وقد أزهقت الأرواح وتوفي في بغداد وحدها نحو اثنا عشر ألف ضحية.
وفي سنة 260ه توفي الإمام الحسن بن علي بن محمد المعروف بالعسكري نسبة إلى محلة العسكر التي كان يسكنها في سر من رأى وقد دفن في نفس الدار التي كان يسكنها ودفن فيها والده من قبل.
وفي سنة 279 عمّر الخليفة المعتمد قصر المعشوق ثم ترك سر من رأى كلها وارتحل إلى بغداد وقد توفي بنفس السنة في القصر الحسني ببغداد لكنه حمل إلى سامراء ودفن بها في مقبرة الخلفاء بباحة قصر الجوسق.
وبذا تكون سر من رأى قد بنيت على عجل ولمع نجمها لما يزيد على نصف قرن ونيف حتى أضحت اعظم مدن عصرها لكن نجمها لم يدم طويلا فقد أفل على عجل وتحولت إلى أطلال وخرائب وآثار لحضارة خاطفة لكنها شهدت خلافة
ثمانية خلفاء وضمت رفاتهم وهم/-
(المعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين والمعتز والمهتدي والمعتمد).

 ملاحظة

تم اختصار البحث وضغطه قليلا ليوافق مجال الاطلاع للقاريء الكريم .

المصادر مذكورة بالبحث الاصلي بعموم منتديات ومواقع التأريخ. 

مواضيع قد تعجبك

التعليقات مغلقة.

إستفتاء جاري حاليا