آزاد احمد علي : هل ستتغير خارطة الشرق الأدنى؟ | وكالة أخبار العرب | arab news agen
آزاد احمد علي : هل ستتغير خارطة الشرق الأدنى؟

  • الإثنين, نوفمبر 30th, -0001
  • 146 مشاهدة
حجم الخط

الكاتب /

اراء

هل ستتغير خارطة الشرق الأدنى؟

من قبل آزاد احمد علي

آزاد أحمد علي

يكثر الحديث، وتتزايد الدراسات حول إحتمال وإمكانية إجراء تغيرات عميقة في حدود بعض دول المنطقة. وعلى الرغم من التكرار والإصرار، تبقى هذه الآراء مجرد تصورات وتكهنات، فلمعرفة طبيعة دول المنطقة، كيفية تشكلها وترسيم حدودها، درجة ثبات هذه الحدود والبنى الدولتية، وبالتالي التأكد من صحة ودقة القراءات والتوقعات حول قرب تعديل حدودها، لابد من معرفة آلية التأسيس والتكوين الحديث لهذه الدول. في هذا الصدد يبقى كتاب “نشوء الشرق الأدنى الحديث 1792- 1923 ” أحد أهم المفاتيح الاستقراء، وإعادة التذكير وقراءة تاريخ الشرق الأدنى السياسي الحديث.
بعد تدريس مقرر دراسي في الجامعة لمدة (25) سنة تحت نفس العنوان، وبعد تمعن للمادة التاريخية موضوع البحث، قام البروفيسور البريطاني (مالكولم ياب) بتجميع هذه المادة العلمية وإصدارها في كتاب، تغطي مرحلة تاريخية بين  حدثين مهمين، أثرا بعمق في تاريخ المنطقة. التاريخ الأول عام (1792)، حيث بدء الحملة الفرنسية على مصر، والثاني عام (1923) م، الذي تم فيه تثبيت الخارطة الحالية  للشرق الأدنى من قبل الدول المنتصرة في الحرب الأولى.

ولقد خص الكاتب جغرافية الشرق الأدنى إصطلاحا بكل من: تركيا وسوريا الطبيعية، مصر والعراق، وكذلك إيران
يتوزع الكتاب على ستة فصول تعالج التاريخ السياسي للشرق الأدنى، مع التركيز على الحياة الاجتماعية والإقتصادية في دولها الرئيسة. في الفصل الأول ثمة إسهاب للكشف عن البنى الاجتماعية من عائلية وقبلية، وثباتها طوال القرن التاسع عشر. يتطرق لاحقا لنظام الملل “الطائفي” الخاص بالجماعات غير المسلمة، من مسيحيين وغيرهم، القاطنين في ظل الدولة العثمانية، فإجتهد لتوضيح إشكالية العلاقة بين الجماعات المسيحية في الشرق الأدنى ونظام الحكم في الإمبراطورية العثمانية.

أورد الكاتب أرقام دقيقة عن السكان، فيقدر عدد سكان الشرق الأدنى بحوالي (30) مليون بحدودعام (1800)م، منهم ستة ملايين في إيران، ومليون فقط لمجمل الجزيرة العربية. فأفصح بذلك عن قلة عدد سكان الإمبراطورية العثمانية عموماً والجزيرة العربية على وجه الخصوص، كنتيجة لعدم إستتباب الأمن، وصراع البدو مع السكان المستقرين في المدن والقرى. كما أعطى إهتماماً خاصاً لعملية زحف البدو من الجزيرة العربية إلى مناطق الإستقرار الزراعي في كل من سورية والعراق، هذا الإنزياح السكاني الذي إستمر طوال القرن الثامن عشر، ليطرح بهذا الصدد تساؤلات حول نتائج هذا الانزياح السكاني: “هل سبب توسع البدو تدنيا في الزراعة، أم أن البدو إنتشروا في الأرض التي كان المزارعون قد هجروها؟” ص26. حاول لاحقاً الإجابة، فبين كيف كانت لعملية الهجرة هذه دوراً رئيساً في إحياء وإعمار مساحات جديدة من الأرض البور.

يوثق الباحث هذا الفصل بالعديد من الإحصائيات عن الزراعة والصناعة، والتبادل التجاري، مستعينا بتأثير التطور التكنولوجي على مجمل التحولات الاجتماعية في الشرق الأدنى، كتأثير القطار ودخوله المبكر إلى مصر، وكذلك التلغراف والنقل النهري بواسطة الآلات البخارية، على سبيل المثال لا الحصر.

كشف (ياب) النقاب عن سوء النظام الضريبي والمالي، وتأثيره على عملية الإنتاج الصناعي، وخاصة صناعة النسيج. ليصل أخيراً إلى نتيجة تؤكد على أن مجمل هذه التحولات، إضافة إلى الدور الأوروبي قد ساهمت في ظهور الحركات المطالبة بالإستقلال عن الدولة العثمانية.

يخصص الكاتب الفصل الثاني من الكتاب للمسألة الشرقية، ويختزلها بأنها  تتمثل في تفاقم مشكلة الرعايا المسيحيين داخل الدولة العثمانية، سواء في البلقان أم في مناطق الأناضول وسورية الطبيعية: “يتمثل جوهر المسألة الشرقية خلال القرن التاسع عشر في الصراع بين الحكام العثمانيين ورعاياهم من المسيحيين، الذين أخذوا يطالبون بالحكم الذاتي، أو الإستقلال، ومعارضة الإمبراطورية العثمانية لهذه المطالب.” ص57

يبدو الباحث واضحاً في إبراز المسألة الشرقية، من خلال تفاقم مشكلة الأقليات المسيحية داخل الإمبراطورية العثمانية، وليس مسألة القوميات، كما هو متعارف عليه. وعلى الرغم من دقة وموضوعية الكاتب إلا أنه يقع في بعض الأخطاء، خاصة تلك المتعلقة ببعض التفاصيل المحلية، كإعتبار الصوفية ظاهرة راسخة بين الأكراد غير السنة، وهذا مخالف للوقائع التاريخية، فالطرق الصوفية كانت ومازالت بين الأكراد طرقاً دينية داخل الإسلام السني، وهي روابط روحية سلمية بعيدة تماما عن ممارسة العنف كيفما كان نوعه وهدفه.

الفصل الثالث يعالج بإسهاب موضوع الإصلاح السياسي والإداري في السلطة العثمانية، خاصة في الفترة الزمنية التي تقع بين أعوام (1792- 1880)م. كشف (ياب) في هذا الفصل عن أسباب واليات تشكل النزعة الإصلاحية والتحديثية داخل مؤسسات الإمبراطورية العثمانية،  سواء جاءت هذه الدعوات الإصلاحية من داخل مؤسسات الإمبراطورية العثمانية، أم من خارجها. وفي السياق نفسه وردت معلومات في الكتاب تساهم في إعادة النظر في الكثير من المسلمات المتعلقة بمفاهيم النهضة وحركة الأنوار العربية، تلك المفاهيم التي ترسخت لدى العديد من الباحثين والمهتمين المعاصرين.
عنون الكاتب الفصل الرابع من الكتاب بالوطنية والثورة في الشرق الأدنى 1880 – 1914 م،  وهو عنوان حماسي أكثر مما هو علمي، إذ يصف  فيه عملية الإطاحة بنظام عبد الحميد في تموز 1908 م ب”الثورة في تركيا”! كما يسعى لدراسة التحولات داخل بنية السلطة العثمانية، وإنعكاسات هذا التحول على مصير الشعوب المكونة للإمبراطورية العثمانية، فيستعرض أغلب الحركات الإصلاحية لشعوب المنطقة، ويكشف عن دور الإرساليات والمدارس الغربية في سورية ولبنان، من زاوية نشر الحداثة والنزعة العروبية القومية، عن طريق طباعة الكتب بالعربية الفصحى. فيبين بهذا الصدد: “لم تكن الغالبية الساحقة من المسلمين السوريين تولي إهتماما بفكرة العروبة، وإن وجدت فكان إهتماما ضئيلا” ص229.

كما يربط نشوء القومية العربية في سورية بتغيير نظرة النخبة السنية، بل يميل إلى الإعتقاد بفكرة الطابع السوري للقومية العربية، وزيادة تبني السوريين للفكر العروبي الذي إنتقل فيما بعد إلى مصر.
في الفصل الخامس نقرأ وصفاً دقيقاً لحال الشرق الأدنى خلال الحرب العالمية الأولى، والإستحقاق الذي ترتب على دخول العثمانيين هذه الحرب. ثم يحاول تفسير لغز التحالف العثماني – الألماني، معتقداً أن ضغط كل من النمسا وروسيا على العثمانيين كان السبب المباشر وراء دخول الإمبراطورية هذه الحرب الخاسرة، علما أن معظم الوزراء في اسطنبول  كانوا  يرغبون في البقاء على الحياد.
مستنتجاً من مجمل سرده أن دخول الإمبراطورية العثمانية الحرب إستكملت الأسباب والعوامل التي أسرعت في تفككها وإنهيارها. ثم يتطرق إلى المعاهدات والإتفاقات، وكذلك المخططات التي تم وضعها إبان الحرب العالمية الأولى، ليكشف النقاب عن مطامع ومطالب كل من بريطانيا وفرنسا في الشرق الأدنى، وترجمة هذه المطامع عبر إتفاقية سايكس – بيكو، مع مقارنتها بمراسلات حسين  – مكماهون.

لاحقا يسلط الضوء على وعد بلفور، والأطماع الصهيونية في فلسطين، ليعطي مساحة من الكتاب لدراسة السياسة العربية، نشاطاتها وفعالياتها في سبيل شرق أدنى عربي، مؤلف من دول ومشيخات مترابطة تحت قيادة الشريف حسين.

يختم مالكولم ياب كتابه بأهمية مرحلة إنتهاء الحرب، وتأثيرها الكبير والمباشر على إعادة تشكيل الشرق الأدنى خلال أعوام (1918 – 1923). يثبت في نهاية الكتاب فكرة رئيسة، تتلخص في أن هزيمة الإمبراطورية العثمانية وإستسلام إيران أدتا إلى فرض الدول الأوروبية نوع وكيفية التسوية، التي أرادوها لمنطقة الشرق الأدنى بكاملها. كما يبين كيف كان لإبعاد كل من روسيا ،ألمانيا والنمسا عن ساحة الشرق الأدنى دوراً في إتاحة الفرصة الكاملة لكل من بريطانيا، فرنسا وإيطاليا للإنفراد بالمنطقة، ورسم الحدود ومناطق النفوذ لكل منها. كما يفصح بأنه في مجمل عملية التسوية السياسية برزت بريطانيا كدولة مهيمنة من الدرجة الأولى، بسبب قوتها العسكرية وعلاقاتها مع الفعاليات السياسة، وخاصة العربية منها. وعلى إعتبار أن بريطانيا كانت الأكثر تفوقا لدرجة يعدها الباحث بأنها هي من صنعت ورسمت خارطة الشرق الأدنى، إلا أنها لم تفرض التسوية التي تريدها تماما، وبصرف النظر عن قدراتها تلك. في المحصلة النهائية جاءت تركيبة الشرق الأدنى الحديث عام (1923)م كنتيجة لمهادنات بين بريطانيا ودول أوروبية أخرى، وبالتفاعل مع القوى الشعبية والقبلية، وكذلك النخب السياسية للشعوب الداخلة في إطار الإمبراطورية العثمانية المنهارة، فإختفت دول وظهرت دول أخرى لم يكن ظهورها متوقعاً.

أخيرا يمكن التذكير بأن خارطة الشرق الأدنى الحديث رسمتها بريطانيا وفرنسا، وجاءت كمحصلة لجهود سياسية وعسكرية، إستشراقية وتبشيرية طويلة الأمد، ليس لها علاقة مباشرة مع إرادة شعوب المنطقة التي كانت مغيبة موضوعياً عن تقرير مصيرها، فهل مازالت بريطانيا هي صاحبة قرار التغيير ولرأيها الأرجحية في رسم سمات الشرق الأدنى للسنوات القادمة؟ أم أن المعادلة قد إختلفت، إذ تعددت الدول الفاعلة والمؤثرة في الساحة، ولم يعد القرار حتى أوروبياً، لدرجة أن أي تغيير لحدود دول المنطقة يتطلب توافقاً دولياً واسعاً، كما ينبغي أن تشكل مطلباً أممياً من جهة، وتلبية لرغبات  وأهداف مواطني هذه الدول  من جهة أخرى.

مواضيع قد تعجبك

التعليقات مغلقة.

إستفتاء جاري حاليا