الكاتبة سعدية مفرح : لا صوت يعلو على صوتها.. البشع! | وكالة أخبار العرب | arab news agen
الكاتبة سعدية مفرح : لا صوت يعلو على صوتها.. البشع!

  • الإثنين, نوفمبر 30th, -0001
  • 166 مشاهدة
حجم الخط

الكاتب /

لا صوت يعلو على صوتها.. البشع!

نشر في : الإثنين 1 يونيو 2015 – 02:40 ص  التقرير

لا صوت يعلو على صوت الطائفية هذه الأيام. صحيح أنها كانت دائمًا موجودة، وصوتها كان دائمًا عاليًا لكن الجديد أنه علا مؤخرًا بلا خجل بل بجرأة مشهودة، وبتفاخر معلن في ظاهرة غير مسبوقة عربيًا على الأقل.

منذ ألف وأربعمئة عام تقريبًا والمسلمون يعيشون في طوائف مختلفة تحت مظلة لا إله إلا الله محمد رسول الله. ولم يحدث أن طائفة نجحت في الانتصار الكلي على الطائفة الأخرى رغم الحروب الطاحنة والصراعات المستمرة؛ فالطوائف تنبع من أفكار والأفكار لا تموت. وليس أمرًا صحيًا أن تموت طائفة أو تنتصر؛ فالطوائف مثلها مثل أي تجلٍ آخر من تجليات التعددية في المجتمعات: إثراء وتنوع للمجتمع وثقافاته بشرط ألا تتحول تلك الطوائف إلى طائفيات، وألا يتحول أهل الطائفة إلى طائفيين. لكن، هذا لا يحدث كثيرًا على أرض الواقع؛ فالمشكلة أن أغلب الطوائف تحولت فعلًا إلى طائفيات، وأغلب أهلها تحولوا إلى طائفيين حتى وإن ادعوا عكس ذلك؛ بل الغريب أن الكل يدعي أنه يقف للطائفية بالمرصاد، ولكن الواقع يقول إن أغلبنا أصبح طائفيًا بدرجة أو بأخرى. نعم.. طائفيون بأيدينا، فإن لم يكن فبألسنتنا وأقلامنا ولوحات مفاتيحنا، فإن لم يكن فبقلوبنا وذلك أضعف الطائفية!

صحيح أن بعض من تورط فيها يحاول النجاة منها، وصحيح أيضًا أن البعض من هذا البعض نجح أو في طريقه للنجاح والنجاة، رغم الخسائر!، لكن الأصح من كل ذلك أن هذا البعض ما زال قلة قليلة وما زالت العراقيل في طريقه أكبر من قدرته على المواصلة إلا بشق الأنفس والمزيد من الخسائر المجتمعية!

لقد تجاوز البعض منا حتى الدين نفسه لينتصر لطائفته بغض النظر عن درجة تدينه أو التزامه الديني، أو حتى إيمانه أو عدم إيمانه. ولم تعد من قبيل النكتة رؤية أحدهم وهو يعلن إلحاده بكل أريحية وجرأة ولكنه مع هذا لا يتورع عن الانحياز التام لطائفته الدينية التي يفترض أنها سابقة أو مجرد موروث عائلي لا لأن هذه الطائفة تواجه اضطهادًا معينًا فيكون انحيازه لها انحيازًا للحق كما ينبغي، ولكن لأنها طائفته أو كانت طائفته وحسب! وربما كنا الأمة الوحيدة في العالم التي يوجد فيها ملحدون سنة وملحدون شيعة، لا يؤمنون بالله ولا برسله ولا كتبه ولا ملائكته ولا باليوم الآخر.. وبدلًا من كل ذلك يؤمنون بالطائفة، في مظهر من مظاهر الطائفية بأقصى وأقسى حالاتها! أي بؤس أكثر من هذا؟ ولكنه على الأقل بؤس يدل على أن الطائفية لا علاقة لها بالدين، وأن الطائفيين يمارسون طائفيتهم باسم الدين والدين منهم بريء وبراء!

من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، حادثة تلو الأخرى، فردية أحيانًا، وجماعية أحيانًا أخرى، رسمية أحيانًا، وشخصية أحيانًا أخرى، كلها تتجمع حول بؤرة واحدة لا تخرج من دائرة السنة والشيعة والصراع الأزلي بينهما باعتبارهما أشهر وأكبر طائفتين في العالم الإسلامي؛ بل الحوادث تعدت كما يبدو المحيط والخليج لتشرق وتغرب، ونراها تتتابع في كل بلاد وصل إليها المسملون، لا الإسلام!

من السهل جدًا على أي متابع أن يلجأ لمقولة المهاتما غاندي بشأن الطائفية في بلاده لتفسير الأمر نظريًا، لكن عمليًا تبدو المشكلة أكثر تعقيدًا من مجرد بقرة يذبحها المستعمر الإنجليزي ويرمي بها في الطريق كلما استقر الحال بين المسلمين والهندوس أيام الاحتلال البريطاني للهند حتى يشتعل ذلك الطريق، بين قوم يقدسون البقرة ويرونها إلهًا يعبد ولا يمس، وآخرين يرونها مجرد حيوان صالح للذبح الحلال على الطريقة الإسلامية؛ فيبدأ التقاتل بين الفريقين ويهنأ المحتل بقتالهما ويتفرغ للمزيد من الاحتلال.. احتلالهما معًا!

هكذا شخّص غاندي العظيم المشكلة التي عانت منها بلاده، وحاول توعية الهنود بأبعادها الخطيرة، ورغم أنه نجح إلى حد كبير ساهم في إنهاء الاحتلال لاحقًا؛ إلا أن المشكلة لم تمت بل بقيت حية، وظلت جذوتها مشتعلة في النفوس الخبيثة، بعد أن لجأ الاحتلال نفسه لأشكال أخرى أكثر غموضًا من الحيلة القديمة رغم أن الفكرة بقيت صالحة دائمًا لإثارة النعرات والمشكلات الطائفية. حتى إن غاندي نفسه قضى نحبه في النهاية مقتولًا برصاصة محشوة بذلك السم الزعاف؛ سم الطائفية التي تجاوزت الهوية الدينية للديانات المختلفة في الهند وأصبحت مجرد صراع مستعر بين أشخاص يتمسحون بها ويقنعون أنفسهم قبل إقناع الآخرين أنهم يخدمون دياناتهم ويدافعون عن وجودها.

في بلادنا العربية أكثر من بقرة صالحة للذبح، والمحتل الإنجليزي تشظى وتوزع في جسوم احتلالية كثيرة، فلم نعد نتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من العدو. كلهم أعداء فتشابهت علينا الخيوط، وتشابكت بينهم وبيننا جميعًا. لكن النتيجة واحدة؛ كل يوم نجد بقرة على الطريق مذبوحة على الطريقة الإسلامية الحلال، لكن الدم الحرام وحده هو الذي يسيل منها ويملأ الطرقات.

مساجد يذكر فيها اسم الله وتتلى بين جنباتها آياته الكريمة تفجر بمصليها باسم الدين.

بيوت آمنة تهدم على رؤوس ساكنيها من المسلمين باسم الإسلام.

أطفال ينحرون أمام ذويهم بتشفٍ غريب من قبل القاتلين الذين لا ينسون أن يذكروا اسم الله لحظة الذبح.

نساء يسبين ويسحبن ليتم بيعهن في السوق كجوارٍ وسبايا وفقًا للشريعة الإسلامية كما يفهمها هؤلاء “المسلمون” الذين لم يسلم المسلمون من ألسنتهم وأيديهم.

شباب يقيدون ويسجنون بالأقفاص المكشوفة ويحرقون أمام عدسات الكاميرات ووسط ضحكات الحارقين الذين يظنون أن نارهم هي نار الله الموقدة.

وكلما ارتفع صوت مناهض لما يحدث، وجد تهمة “الطائفية” جاهزة بانتظاره تحت رعاية هؤلاء القتلة الحارقين الذباحين المارقين الهدامين المفجرين وأنصارهم المنتشرين في كل مكان، يزينون لهم أفعالهم ويحاولون إقناع الآخرين أنهم على حق وما هم من الحق بشيء! يرمون أدواءهم في وجوه مناهضي أفكارهم، وليتهم ينسلّون بعدها؛ بل يبقون بانتظار أن يبدر منك، أيها المناهض، أي رد فعل تجاه اتهامهم لك بالطائفية ليشرعوا فورًا في تنفيذ العقوبة كما يرونها، إن كانوا يستطيعون فعلها بأنفسهم، أو تحريض من يستطيع فعلها عليها. وأنت وحظك؛ حرقًا أو ذبحًا أو تهديمًا أو سبيًا أو استعداء سلطويًا، أو شتيمة وسبابًا.. وذلك أضعف التنفيذ عندهم!

مواضيع قد تعجبك

التعليقات مغلقة.

إستفتاء جاري حاليا