حسن ابو هنية : تكريت: الشيعة والسنة وحروب التطهير المكاني | وكالة أخبار العرب | arab news agen
حسن ابو هنية : تكريت: الشيعة والسنة وحروب التطهير المكاني

  • الإثنين, نوفمبر 30th, -0001
  • 269 مشاهدة
حجم الخط

الكاتب /

العربي 21

عقب شهور من الخطابات البلاغية المتعلقة بالوحدة الوطنية للحكومة العراقية الجديدة برئاسة حيدر العبادي، الذي تعهد بالتخلص من سياسات سلفه المالكي الطائفية، كشفت الممارسات الممنهجة للحكومة العراقية عن تلبسها بسياسات الهوية الطائفية وتواطئها مع المليشيات الشيعية الطائفية، فقد برهنت معركة تحرير تكريت المزعومة عن قوة المليشيات الطائفية وتحكمها في مفاصل الدولة وعجز الحكومة المركزية عن لجم نهجها الهوياتي الطائفي واستراتيجياتها المستندة إلى حرب التطهير المكاني، حيث باتت مدينة تكريت السنيّة مطهرة مكانيا من السنة بعد نهبها وحرق منازلها ومساجدها وقتل من بقي من أهلها، على أنغام ثارات الحسين وتحت رايات المليشيات الطائفية، الأمر الذي أقر به رئيس الوزراء العبادي الشيعي وأدانه كما لو كان ممثلا لأحد المنظمات الحقوقية التي لا تملك سلطة فعلية.

سياسات الهوية الطائفية لم تتبدل مع العبادي وظهيره الإيراني ميدانيا، لكنها غلفت بخطابات بلاغية جوفاء، فمنذ سقوط الموصل  بيد تنظيم الدولة الإسلامية في 10 حزيران/ يونيو 2014، باتت الطائفية المحرك الأساس في إدارة النزاع والصراع، فبدلا من التوجه نحو سياسة تقوم على الاعتراف بالمطالب العادلة للمحافظات السنيّة، شهدنا جرعة مضاعفة من سياسات الهوية الطائفية،  فبعد سقوط الموصل  دعا رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي علناً إلى إقامة ميليشيات شعبية، الأمر الذي استجابت له المرجعية الشيعية العليا بزعامة السيستاني بالإعلان عن وجوب الجهاد الكفائي في 13 حزيران/ يونيو 2014، حيث باتت الاستعراضات الطائفية مشهدا مألوفا لكافة التيارات الشيعية الصدرية وغيرها، بحجة حماية المراقد المقدسة، وعملت أذرع إيران على إعادة انتشار قواتها التي تقاتل في سوريا وعودتها إلى العراق كما فعلت “كتائب حزب الله” و”عصائب أهل الحق”، ومع ولاية العبادي لم يتبدل الأمر بل تمت مأسسة المليشيات الشيعية باسم “الحشد الشعبي”.

تعمل المليشيات الشيعية بشكل وثيق مع قوات الجيش العراقي و”قوى الأمن الداخلي”، وهي مؤسسات عسكرية وأمنية رسمية يهيمن عليها المكون الشيعي تماما بنسبة تفوق 90% ، وقد ظهرت منذ فتوى الوجوب الكفائي مليشيات شيعية جديدة بحجة “الدفاع عن العراق”، ومنها “سرايا الدفاع الشعبي”، وفي أيار/ مايو 2014، أعلن فيديو رسمي لـ”كتائب حزب الله” أنّ هذه السرايا تقاتل إلى جانب “قوى الأمن الداخلي” العراقية، كما  أنشأت “عصائب أهل الحق” و”منظمة بدر” العديد من “اللجان الشعبية” المتمركزة في المدن منذ نيسان/ أبريل 2014، وفي كانون الثاني/ يناير 2015، أعلن كلّ من “عصائب أهل الحق” و “لواء الرد السريع” الذي يتبع “لواء أبو الفضل العباس والمعروف باسم “أفواج الكفيل” الموجّه من إيران أنهما أعادا قوات من سوريا إلى العراق، وكان  قائد “فيلق القدس” الجناح الخارجيي لـ”الحرس الثوري” قاسم سليماني قد قام عقب سقوط الموصل بزيارة ممثلي المنظمات الشيعية المدعومة من إيران، وعمل على المشاركة ميدانيا في مدينة تكريت.

كان من المفترض أن تشكل عملية تحرير تكريت نموذحا إرشاديا يحتذى به في مناطق أخرى، لكنها كشفت عن بؤس “التحرير” وخرافة القانون والتعددية والحكم الرشيد، فالعملية التي أعد لها جيدا بحسب الحكومة وأعلن عن تدشينها في 15 تموز/ يوليو 2014  باسم “السيف البتار”، والتي انطلقت في 2 آذار/ مارس 2015، بمشاركة 30 ألف من قوات الجيش ومليشيات الحشد الشعبي عجزت عن تحقيق تقدم حقيقي ومنيت بخسائر كبيرة أمام أقل من 800 مقاتل من تنظيم الدولة الإسلامية، ولم تتمكن من التقدم إلا بعد مشاركة القوات الأمريكية بناء على طلب عراقي رسمي، والتي نفذت ضربات جوية عنيفة على مدينة تكريت منذ25 آذار/ مارس 2015، وعقب انسحاب معظم مقاتلي الدولة الإسلامية قامت مليشيات الجيش والحشد الشيعي بعمليات نهب وحرق واسعة في المناطق التي دخلتها من مدينة تكريت تحت غطاء جوي أميركي.

حروب التطهير المكاني الذي مارسته المليشيات الشيعية وقوات الجيش والشرطة في تكريت، دفعت السنة الموالين للحكومة الشيعية إلى الخروج عن صمتهم، فرئيس مجلس محافظة صلاح الدين أحمد عبد الجبار الكريم الموالي للشيعة قال بأنه غادر المحافظة بصحبة المحافظ رائد الجبوري احتجاجا على أعمال النهب والحرق التي اتهم مليشيات الحشد الشعبي الشيعية بارتكابها في المدينة، وقدر الكريم أعداد المنازل التي أحرقها الحشد الشعبي بالمئات، قائلا إن المدينة “أحرقت أمام عينيه”، وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه أن تساهم عملية التحرير بتوفير الأمن والاستقرار وعودة النازحين الذين يقدر عددهم  قبل دخول تنظيم الدولة  الإسلامية لتكريت في 11 حزيران/ يونيو 2014، حوالي 260 ألفا معظمهم من السنة، أصبح من المستحيل التفكير بالعودة، إلا فاتحين كجنود في صفوف الدولة الإسلامية التي برهنت على خواء العملية السياسية وبروز المسألة الطائفية.

لم تكن المسألة الطائفية بعيدة عن الرؤية الأمريكية فهي من دشن سياسات الهوية في العراق منذ احتلاله 2003، فالاستراتيجية الأمريكية لمحاربة “الإرهاب” تتوافر على براغماتية هشة وضارة، فالاعتماد على قوى حليفة تمارس أعمالا إرهابية كالمليشيات الشيعية المتطرفة سوف يساهم في تنامي قوة هذه الميليشيات وسيطرتها على كافة أجهزة الدولة العراقية الهشة، وتعمل على ترسيخ سياسات التهميش والإقصاء للمكون السني، كما أنها تساهم في مد النفوذ الإيراني وهيمنته المضاعفة على  العراق، الأمر الذي يوفر لتنظيم الدولة الإسلامية جاذبية مؤكدة للتجنيد في صفوف السنة، ففي الوقت الذي تثبّت فيه المكونات الشيعية من سيطرتها ونفوذها في العراق وسوريا بالاستناد إلى الراعي الإيراني، ويوسع الكرد من مكانتهم واستقلالهم، فإن المكون السنّي في العراق وسوريا لا يتمتع بإسناد ودعم استراتيجي حاسم من الدول السنيّة وبهذا فإن الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال تعتمد على ذات الأسس الهوياتية والسياسية الخاطئة التي تبنتها منذ احتلالها للعراق عام 2003، كما أنها لا تزال تصر على دعمها للأنظمة السلطوية في المنطقة تحت ذريعة عقيدة “الاستقرار”.

لا شك بأن استراتيجية التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بالتحالف الموضوعي مع إيران، والاعتماد على المليشيات الشيعية، سوف يساهم  بإضعاف تنظيم الدولة الإسلامية مؤقتا، والحد من بعض قدراته في المدى المنظور، إلا أن تنظيم الدولة الإسلامية قادر على ابتداع استراتيجيات جديدة للحفاظ على وجوده وإعادة هيكلته، كما حدث إبان حقبة الجنرال ديفيد بترايوس مع زيادة عدد القوات البرية وإنشاء الصحوات السنية، فالحاضنة الاجتماعية  السنية قادرة على توفير شبكات دعم وحماية وإسناد للتنظيم، مالم تتم معالجة الأسباب والشروط والظروف الموضوعية التي أدت تنظيم الدولة الإسلامية وتطوّره وتمدده، وفي مقدمتها تهميش السنّة وديمومة الانتهاكات الطائفية في المدن السُنيَّة على يد الميليشيات الشيعية، كما حدث في سامراء حيث خُطِف ما يزيد عن 170 شاباً منذ حزيران/ يونيو 2014، وتنامي الخوف من ارتكاب الشيعة أعمالاً انتقامية ضد السكان السُنَّة، كما حدث في جرف الصخر حيث تم العثور في تشرين الأول/ أكتوبر 2014 على مقبرة جماعية تضم 41 شخصاً قُتِلوا على أيدي الميليشيات الشيعية، أما ما حدث في تكريت فهو استمرار لعمليات التطهير المكاني الممنهج وسياسات الهوية الطائفية.

إن سياسات قوات التحالف المسندة من المليشيات الشيعية التي تواصل عمليات القتل وتمارس الانتهاكات الممنهجة ضد السنة تضع عموم السُنَّة أمام خيار تفضيل البقاء تحت سيطرة الدولة الإسلامية على عودة القوات الأمنية الشيعية إلى مدنهم ثانية، وتعصف بمحاولة بناء قوات الحرس الوطني، كما برهنت المعارك الأخيرة ضد تنظيم الدولة الإسلامية على فشل “الحشد الشعبي” وهو التسمية الجديدة للمليشيات الشيعية، والذي وصفه رئيس الوزراء حيدر العبادي بالعمود الفقري للجيش العراقي، بإلحاق الهزيمة بالدولة الإسلامية، وقد كشفت الأحداث المتلاحقة عن حالة انعدام الثقة بين السكان السُنَّة والأجهزة الأمنية التي يسيطر عليها الشيعة، كما كشفت عن طوباوية وعقم جدوى تشكيل قوة سُنيَّة من 120 ألف إلى 200 ألف عنصر، بعد موافقة البرلمان، تحمل اسم قوات الحرس الوطني بالاعتماد على أبناء العشائر السُنيَّة بقيادة ضباط الجيش العراقي، فقد تمكن تنظيم الدولة الإسلامية من اختراق المكونات العشائرية القبلية، واعتمد استراتيجية فعالة تقوم على الرغيب والترهيب تجعل من عملية إعادة بعث تجربة “الصحوات” عملية عقيمة، وبهذا فإن استراتيجية التحالف معرضة للفشل ما دامت لا تلتفت بشكل جدي إلى الأسباب الحقيقية لبروز تنظيم الدولة، وفي مقدمتها تهميش وإقصاء السنة وتنامي الطائفية وفشل العملية السياسية.

جرائم الميليشيات الشيعية  في المناطق التي تستولي عليها بحق السنة لا تعد فردية بل أصبحت ممنهجة على أسس طائفية، حيث قتلت المليشيات عشرات المدنيين السنة عبر “إعدامات عشوائية”، وهي ممارسات تصل لمستوى جرائم الحرب كما تؤكد منظمات حقوق الإنسان الدولية، كما نفذت المليشيات الشيعية عمليات انتقام ذات طبيعة مذهبية بحق السكان السنة الذين لم ينخرطوا في الأعمال العدائية، كما تؤكد المستشارة في منظمة “العفو الدولية” دوناتيلا روفيرا، وبحسب منظمة “هيومن رايتس ووتش” في أحدث تقرير لها، تصاعدت انتهاكات المليشيات المتحالفة مع قوات الأمن العراقية في المناطق السنية خلال الشهور الأخيرة، حيث تم إجبار السكان على ترك منازلهم، أو خطفهم، أو إعدامهم ميدانيًا في كثير من الأحيان.

لقد كشفت العمليات العسكرية في مدينة تكريت أنها تقع في إطار سياسة التطهير المكاني باعتبارها بنية دائمة للإزالة والتهجير السياسيين والقانونيين، والتي ترمي إلى طرد السكان السنة، فسياسات التطهير المكاني كما يؤكد ساري حنفي مزيج من ثلاث استراتيجيات. الأولى: “إبادة المجال المكاني” والثانية هي “التطهير العرقي” باستخدام شتى الأساليب ومنها إثارة الرعب، وقصف القرى والمراكز السكنية، وحرق المنازل، وهدم البيوت، وزرع الألغام في الأنقاض لمنع المطرودين من العودة لبيوتهم. وتدمير المجال الصالح للسكن دون طرد الكثير من الناس من ذلك الفضاء، وإنتاج التفقير دون مجاعة، وإعاقة الوصول إلى المعالجة الطبية دون السماح بتفشي الأوبئة البيئية. أمّا الاستراتيجية الثالثة فتقوم على ما يسميه أورين يفتخايل “تفرقة عنصرية دؤوبة”.

لعل ما يحدث في العراق من حرب يتطابق مع منطق الحروب الجديدة كما بيّنته ماري كالدور في كتابها “الحروب الجديد والحروب القديمة: تنظيم العنف في حقبة الكونية”، إذ تبين كالدور أن الحروب الجديدة تنشب في إطار تآكل الاستقلال الذاتي للدولة الحديثة وانهيارها وتنشب بوجه خاص في إطار تآكل القدرة على الاحتكام إلى وسائل العنف المنظم والشرعي، وينهار  هذا الاحتكام من أعلى الدولة ومن أسفل المجمع، فأهداف الحروب او العنف ما بعد الحداثة بحسب كالدور تدور حول سياسة الهوية  قياسا إلى الغايات الجيو سياسية أو الإيدولوجية للحروب القديمة، ورغم أن تلك الحروب بمعظمها محلية، لكنها تنطوي على حشد هائل من الروابط العابرة للأمم بحيث أن التمايز بين ما هو داخلي وما هو خارجي بين العدوان والهجوم من الخارج والقمع والهجوم من داخل البلد تضيع أو ان الفارق بين المحلي والحكومي يغدو عصيا على التحديد والبقاء؛ فالخوف والحقد ليسا مستوطنين بل تتم تعبئتهما في بعض الفترات لاغراض سياسية، ومن الممكن تفسير حجم العنف لا باعتباره نتيجة من نتائج (الخوف والحق) بل باعتباره انعكاسا لصعوبة اعادة تركيب (الخوف والحقد).

بحسب كالدور تتعلق الأهداف السياسية للحروب الجديدة بالمطالبة بالسلطة على أساس هويات تقليدية في ظاهرها، الأمة/ القبيلة/ الدين، إلا أن بروز سياسة الهويات الفئوية لا يمكن أن يفهم على أساس المفاهيم التقليدية بل ينبغي أن يفسر في سياق التنافر الثقافي المتنامي بين أولئك الذين يشتركون في الشبكات العابرة للامم، فقد نشأت سياسة الهوية الجديدة من تفكك أو تآكل هيكليات الدولة الحديثة، لاسيما الدولة المركزية السلطوية، وتتميز الحروب الجديدة بتعدد أنواع الوحدات المقاتلة وهي: القوات المسلحة النظامية، والجماعات شبه النظامية، ووحدات الدفاع الذاتي، والمرتزقة الأجانب، والقوات النظامية الأجنبية تحت رعاية دولية.

خلاصة الأمر أن معركة تكريت كشفت عن سياسات هوية طائفية تستند إلى منطق الحروب الجديدة واستراتيجيات التطهير المكاني، وبروز سلطة المليشيات الطائفية الشيعية وتحكمها في مفاصل الدولة وسيطرتها على مراكز القرار الحكومي، كما برهنت عن خواء العملية السياسية وهيمنة المكون الشيعي والنفوذ الإيراني الطاغي، وبؤس المقاربة الأمريكية في “حرب الإرهاب” وانحيازها الفاضح إلى واقعية فجة ترسخ الوضع القائم وتسبغ عليه شرعية سياسية، فهي تتعامل مع المليشيات الشيعية كقوى شريكة في الحرب على الإرهاب رغم الإدانات الناعمة، أما المكون السني فقد برهنت عملية تحرير تكريت المزعومة عن صعوبة تبرير الاشتراك في جرائم عرقية طائفية تحت شعارات الوحدة الوطنية، وإذا كان تنظيم الدولة الإسلامية قد خسر مرحليا المعركة في تكريت فقد ضمن ربحا مؤكدا في معاركه القادمة في نينوى ومدينة الموصل وفي سائر الولايات السنيّة، عبر خلق وتأكيد سرديته الأثيرة باعتباره ممثلا أمينا للهوية السنيّة الممتهنة في العراق والمنطقة.

مواضيع قد تعجبك

التعليقات مغلقة.

إستفتاء جاري حاليا