رائد الحامد : بحث حول …إيران والولايات المتحدة علاقات لم تعد خفية..!!! | وكالة أخبار العرب | arab news agen
رائد الحامد : بحث حول …إيران والولايات المتحدة علاقات لم تعد خفية..!!!

  • الإثنين, نوفمبر 30th, -0001
  • 360 مشاهدة
حجم الخط

الكاتب /

 

إيران والولايات المتحدة علاقات لم تعد خفية

 

رائد الحامد

20/03/2015

 

تتميز إيران بموقع جغرافي مهم للامن الإقليمي والدولي، فهي تشترك بحدود بحرية مع ثماني دول في الخليج العربي وخليج عُمان، كما انها تتحكم بمضيق هرمز البحري باهميته الاستراتيجية في موضوع نقل الطاقة إلى العالم، وبعد سيطرة الحوثيين على مفاصل الدولة اليمنية خريف العام 2014، فسيكون لإيران دورا مؤثرا في التحكم بمضيق باب المندب الذي تسعى جماعة الحوثي لفرض سيطرتها عليه. ولدى إيران رابع أكبر احتياطي من النفط والغاز الطبيعي في العالم، ما يعطيها إمكانيات هائلة في التحكم بمستويات انتاج الطاقة واسعارها، إضافة إلى الفائض المالي الكبير الذي عملت طهران على توظيفه في برنامجها النووي، وأيضا لخدمة سياساتها في المنطقة من خلال دعمها للعديد من المنظمات والميليشيات الشيعية.

لا يخفي الإيرانيون حقيقة مشروعهم الذي يسعى إلى بسط نفوذهم العلني من طهران إلى شواطئ البحر المتوسط عبر جغرافية متصلة من طهران مرورا بالعراق وسوريا وصولا إلى البحر المتوسط، ونوع آخر متخفي يتجه نحو دول الخليج العربي ذات الأهمية الاستراتيجية لمرور الطاقة نحو الدول الغربية. ويرون أنّ “حدود بلادهم غربا لا تقف عند منطقة الشلامجة على الحدود العراقية، بل تنتهي عند شواطئ البحر الأبيض المتوسط عبر الجنوب اللبناني” . كما لا يخفون امتلاكهم لعدة جيوش شبه رسمية في عدد من البلدان العربية تنفذ سياسات إيران وتعمل على تحقيق مصالحها العليا.

منذ الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979 التي قادها الخميني تبنّت إيران سياسة معلنة في عدائها للولايات المتحدة من خلال شعارات “الموت لأميركا”، أو الشيطان الأكبر، التي جذبت إليها عواطف العرب والمسلمين الذين ضاقوا ذرعا بازدواجية السياسة الأميركية وانحيازها الظالم إلى جانب إسرائيل ضدّ الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، إلاَّ أنّ هذا كله اصطدم بواقع المشروع الذي لم يخفيه قائد الثورة، وصرح به علنا بأنّ “طريق القدس يمر من كربلاء”، وهو ما بات يعرف بمشروع “ولاية الولي الفقيه” في واجهته الدينية، أو مشروع “تصدير الثورة” في واجهته السياسية الذي أعلن عنه الخميني في الذكرى الأولى لانتصار الثورة الإسلامية في 11/2/1980، وهو المشروع الذي استطاع العراق إيقاف عجلة تقدمه كأحد نتائج حرب الخليج الاولى في ثمانينيات القرن الماضي. لقد جرّت حرب الخليج الأولى المزيد من المتاعب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على الشعب الإيراني جراء الهزيمة العسكرية، وهي الحرب التي فرضت على الساسة الإيرانيين إعادة حسابات “تصدير الثورة”، خاصة عقب وفاة قائد الثورة بعد نهاية الحرب بعام واحد، ليعيد قادة الثورة حساباتهم بشكل أكثر عقلانية وموضوعية، والبحث عن آليات أخرى ليس من بينها التدخل العسكري المباشر في الدول المستهدفة، إنما على مبدأ “اسقاط ألف صديق أهون من اسقاط عدو واحد”.

نجح العراق في إيقاف عجلة مشروع تصدير الثورة وتأجيل تمدده، لكن هذا المشروع عاد ليرى النور من جديد بعد احتلال العراق في العام 2003 وإسقاط نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، واستبداله بنظام يتكوّن من الحلفاء الأساسيينَ لأميركا في احتلال العراق، والذين يرتبطون بعلاقات وثيقة مع إيران تضمن لها إبقاء السياسات العراقية متناغمة ومتصالحة مع الأهداف الإيرانية. وقد تعهد محمد باقر خرازي رئيس “حزب الله” الإيراني في حال فوزه بالانتخابات الرئاسية للعام 2010 “ببعث إيران الكبرى الممتدة التي ستحكم الشرق الأوسط وآسيا الوسطى تمهيدا لظهور المهدي المنتظر”، وعدّ أنّ قيام إيران الكبرى سيؤدي إلى “تدمير إسرائيل والدول المنافسة المجاورة” ، في إشارة إلى المملكة العربية السعودية.

 

إيران والولايات المتحدة علاقات لم تعد خفية:

حاولت إيران توظيف احتلال الولايات المتحدة لبلدين مسلمين هما أفغانستان والعراق توظيفا يصب باتجاهين متعارضين، ففي الوقت الذي تدين فيه احتلال هذين البلدين المسلمين وتعلن وقوفها إلى جانب شعبيهما ومقاومتهما المشروعة ضدّ الاحتلال، كانت تدير اتصالات خفية مع قوات الاحتلال، وكذلك مع حكومتي أفغانستان والعراق المعينتين من قبل الاحتلال إلى الحد الذي باتت إيران تفرض رؤيتها حتى في تعيين كبار المسؤولين فيهما.

اتسمت علاقات إيران والولايات المتحدة فيما يتعلق بأفغانستان والعراق بسمتي المنافسة على النفوذ والتعاون في آن واحد، ولم يكن اسقاط نظامي طالبان وصدام حسين المعروفين بعلاقاتهما غير الودية مع إيران ليحدث لولا التدخل الإيراني المباشر إلى جانب الولايات المتحدة ، واستبدالهما بنظامين يتوافقان مع السياسات الإيرانية العليا تماما. هذا الاستبدال جعل من العراق دولة تابعة لكل من الولايات المتحدة وايران في نفس الوقت، وهو ما أهّل إيران لأن تكون لاعبا مؤثرا في العراق، والإقليم معا، وفاعلا في ما يتعلق بالاستقرار الإقليمي سلبا، أو إيجابا.

بلغت أعلى مراحل التنسيق بين الولايات المتحدة وإيران بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر ضمن المسعى الأميركي في حربها الكونية على الإرهاب، ولم يكن الرئيس الإيراني الإصلاحي محمد خاتمي العاتب على الإدارة الأميركية، لعدم وفاءها بالتزاماتها تجاه إيران لموقفها من غزوّ العراق، لم يكن هذا أقلّ صراحةً من نائبه للشؤون القانونية محمّد علي أبطحي، الذي قال في ختام أعمال مؤتمر الخليج وتحديّات المستقبل في 15 كانون الثاني/ يناير 2004، الذي نظمه مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية في أبي ظبي، “إنّ إيران قدمت الكثير من العون للأميركيين في حربيهم ضدّ أفغانستان والعراق”، وأضاف “أنّه لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابل وبغداد بهذه السهولة، لكنّنا بعد أفغانستان حصلنا على مكافأة، فأصبحنا من ضمن محور الشرّ، وبعد غزو العراق نتعرض إلى هجمة إعلامية أميركية شرسة”. الدور الإيراني في احتلال أفغانستان وإسقاط طالبان بات معروفا، كما هو التنسيق الإيراني مع الولايات المتحدة في الجوانب المعلوماتية التي سهلت مهمتها لاحتلال البلدين، إضافة إلى استمرار دعم إيران للحكومتين المنصبتين من الولايات المتحدة في كابل وبغداد، وهو ما لم تتداوله وسائل الاعلام والصحافة بشكل واسع، “فالصحافة نادراً ما تتطرق إلى ذكر حقائق من مثل أنّ الحكومة الإيرانية قدمت 300 مليون دولار من العون إلى الحكومة التي تدعمها أميركا في أفغانستان، كما أنّها زودت الولايات المتحدة بمعلومات استخباراتية بالغة الأهمية عن طالبان” .

أما في العراق فأنّ الولايات المتحدة لم تعترض على تعاظم النفوذ الإيراني في العراق لأسباب على صلة بالدعم العسكريّ الإيراني للولايات المتحدة في عملية إسقاط نظام صدام حسين، من خلال تعاون الحرس الثوريّ الإيراني قبل الاحتلال، واستمرار هذا التعاون إلى سنوات بعد الاحتلال. وقد كشفت دراسة أصدرتها مؤسسة “جيمس تاون فاونديشن” الأميركية تحت عنوان “مساهمة إيران في الحرب الأهلية في العراق”، عن أنّ الحرس الثوري الإيراني طلب من فيلق بدر تشكيل كتيبتين سُميت الأولى “مجاهدي الحسين” ترسل إلى مدينة العمارة، وسُميت الثانية “أنصار الحسين” ترسل إلى الناصرية لجمع المعلومات عن انتشار الوحدات العسكرية العراقية قبل شن الحرب، ولتحديد مواقع المنشآت الحكومية، ومراكز قوات الدفاع الجوي. وأشرف على ذلك جنرال من الحرس الثوري الإيراني يدعى الجنرال محمد.

“أن الأغلبية الشيعية في العراق، الذين كانوا بمثابة حليف أساسي لواشنطن في إحداث تغيير في النظام، تهيمن عليها من الناحية السياسية كيانات على علاقة وثيقة بإيران. ولذلك، رأى الإيرانيون فائدة مزدوجة في الغزو الأميركي للعراق لأنه خلّص إيران من عدو لدود، ونصّب في مكانه نظاماً صديقاً” . بعد الاحتلال الأميركي مباشرة، استثمرت السياسة الإيرانية إقرار الولايات المتحدة العملية السياسية لضمان هيمنة الأحزاب الدينية الشيعية على السلطة والنفوذ في العراق من خلال صناديق الاقتراع، كوسيلة مثلى تتفق تماماً مع وجهة نظر المرجعيات الشيعية في العراق التي ترى أنّ “شكل نظام الحكم في العراق يحدده الشعب العراقي وآلية ذلك أنْ تجرى انتخابات عامة لكي يختار كل عراقي من يمثله في مجلس تأسيسي لكتابة الدستور”، كما موجود على الموقع الرسمي للمرجع الشيعي علي السيستاني. هذا وغيره أتاح لإيران فرصة بناء ركائز نفوذ متداخل في المناحي السلطوية، السياسيّة والأمنيّة والاقتصادية وغيرها، يصعب على الولايات المتحدة الخلاص منها في المدى المنظور، كما يصعب ذلك أيضاً على العراقيين في السلطة مع افتراض رغبتهم في التخلص من النفوذ الإيراني، وهو افتراض لا يؤيده واقع تركيبة السلطة الحاكمة في العراق، وتوجهاتها ورغابتها.

لم يكن الاحتلال العسكري الأميركي للعراق احتلالاً متفرداً في فرض السيطرة الكاملة على مقدرات العراق الاقتصادية ورسم السياسات، أو على مستوى فرض السيطرة العسكرية على الأرض، فقد كانت إيران شريكة فاعلة أجادت استخدام القوة الناعمة  في مقابل الولايات المتحدة التي استخدمت القوة الصلبة في غزو العراق واحتلاله. أثبتت إيران في مواضع عدّة، أنّها الأكثر نفوذاً سياسياً من الولايات المتحدة نفسها، وكان رئيس ائتلاف العراقية إياد علاوي الذي حصلت قائمته على 91 صوتاً في انتخابات آذار/ مارس 2010 مقابل 89 صوتاً لقائمة دولة القانون التي يرأسها نوري المالكي قد صرّح في مقابلة خاصة مع قناة العربية بأن “إيران نجحت في تحقيق مكاسب كبيرة حتى الآن، وأنّ الضغوط كانت واضحة بمنع ائتلاف القائمة العراقية ومنعي شخصياً من تولي المسؤوليات التي خولنا إياها الشعب العراقي، وحين رأينا أنّ الأمور بدأت تتعقد ارتأينا التنازل” .

شكلّت المقاومة العراقية ضدّ الاحتلال الأميركي الخطر الأكبر على المشروع الإيراني في العراق والهيمنة الشيعية على مقدرات البلد وثرواته وسياساته، كما هو الخطر على الصفحة الثانية من مشروع احتلال العراق المتمثلة بالمضي قدماً في المشروع السياسي الساعي لفرض الانموذج الأميركي للديمقراطية في العراق، ومن ثم نشره على كامل منطقة الشرق الأوسط، ورأت كلّ من إيران والولايات المتحدة أنّ استمرار المقاومة المسلحة ضدّ القوات الأميركية والحكومة الشيعية قد تؤدي إلى انزلاق العراق إلى مستنقع الحرب الأهلية التي ستؤدي إلى تفكيك وحدة العراق، وما يشكله من انعكاسات على الاستقرار في عموم الدول المؤثرة على المصالح العليا للاستراتيجية الإيرانية، خاصة سوريا وبلدان الخليج العربي، إضافة إلى انعكاساتها المباشرة على بنية المجتمع الإيراني بتعدديته الدينية والطائفية والعرقية غير المتجانسة. فمن جهة تجد الولايات المتحدة نفسها معنية بالحفاظ على الوحدة الترابية للعراق حتى انسحابها الكامل منه وتسليمه إلى العراقيين، ومن الجهة الثانية تجد إيران أنّ أي تقسيم، أو تفكيك للدولة العراقية القائمة سيغذي الرغبات الدفينة للقوميات والطوائف الإيرانية التي تشعر بالاضطهاد وتسعى لنيل حقوقها والتمتع بسلطات تؤهلها على الأقل لادارة ذاتية لمناطقها، هذه المقاربة وضعت كلاً من الولايات المتحدة وايران في موقع حاجة كل منهما للآخر، وما تستلزمه من تنسيق متبادل او تنازلات طرف لآخر، واعتراف كلٌّ منهما بدور ونفوذ الآخر، إلاَّ أنّ المحصلة كانت اعتراف أميركي بنفوذ إيراني، ودور فاعل في رسم مستقبل العراق السياسي، إضافة إلى الاعتراف بدور إيران كلاعب إقليمي في جميع قضايا المنطقة.

بات مقبولاً أن تكون إيران هي القوّة الأولى واللاعب الأقوى في العراق والمنطقة، وهو ما كرَّسه الاحتلال الأميركي للعراق بالقوّة العسكرية، أو القوّة الصلبة، في مقابل السماح بنفوذ إيراني شامل ومهيمن قريب الشبه باحتلال يستخدم القوّة الناعمة على شكل عقود تجارية واقتصادية، وسياحة دينية ومراكز فكرية وثقافية، ومنظمات اجتماعية ومدارس دينية وغيرها، ودعم لكافة الألوان السياسيّة الشيعية والسُنيّة على حدٍّ سواء ، وإنْ كان بانتقائية وحذرٍ يختلف بين لونٍ وآخر.

بدا أمر التفاوض بين واشنطن وطهران حول العراق، أشبه بالأمر الواقع الذي لا مناص منه أمام الولايات المتحدة، إنْ لم تكن مرغمة على الدخول فيه، فالولايات المتحدة في تلك الفترة كانت تعيش أسوأ أيامها في العراق بسبب تعرضها اليومي لمئات العمليات العنيفة من فصائل المقاومة المسلحة، وفي ذات الوقت كانت بغداد تنزلق نحو حربٍ أهليّة سنيّة شيعية شاملة أفقدت الولايات المتحدة القدرة على التحكم بالأمن، وبدت خارج مديات التأثير على الأرض إلا بمواصلة استخدام القوّة الغاشمة ضدّ مناطق المقاومة يروح ضحيتها عادةً مدنيون أبرياء، وإنّ التأثير الحقيقي في الجانبين السياسي والأمني هو لإيران التي يتطلب التعاطي معها أميركياً الأخذ بعين الاعتبار مصالحها في العراق، والتخفيف من الضغوط الدولية لوقف البرنامج النووي الإيراني، طالما أنّه لا يشكل أيّ خطرٍ أو تهديدٍ على الدول الأوربية، أو الولايات المتحدة، أو إسرائيل ، بل على جيران إيران فقط ، واعتماد الوسائل الدبلوماسية عبر حوارات، تشترك بها سوريا أيضاً مع مجموعة دولية تضم دول جوار العراق، إضافة إلى مصر، وضرورة طمأنة إيران بعدم لجوء الولايات المتحدة للخيارات العسكرية ضدّها، كما أوصت لجنة دراسة الأوضاع في العراق ، والاستفادة من تجربة التعاون بينها وبين إيران فيما يتعلق بأفغانستان  عبر مفاوضات مباشرة، وهو ما تم تكراره في العراق بعد أنْ أعربت إيران عن استعدادها للدخول في مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة التي ردّتْ عليه بالموافقة، وتخويل سفيرها ببغداد زلماي خليلزاد آنذاك ، للعمل على وقف النشاط الإيراني الذي يسعى إلى زعزعة الاستقرار الأمني عبر أذرعها في العراق للزج بالقوات الأميركية في وضع لا يسمح لها بالتفكير باتخاذ أيّة إجراءات عسكرية ضدّها  حتى إكمال انسحابها من العراق، وزوال التهديد الأميركي المفترض، مع الإبقاء على السيطرة الكاملة في الجانبين الأمني والسياسي للحكومة الموالية لها ، خشية انفلاتٍ يؤدي إلى سيطرة القوى الجهادية المعادية لها وللولايات المتحدة في العراق، أو إلى تقسيم العراق إلى دويلات تشجع الحركات الانفصالية للأقليات الإيرانية المتعددة على المطالبة بالانفصال.

لقد ساهمت إيران في إزعاج الوجود الأميركي طيلة الثلاث سنوات الأخيرة من الاحتلال بعد انحياز فصائل المقاومة العراقية إلى جانب القوات الأميركية في قتال تنظيم الدولة الإسلامية، وتبنّت عدّة ميليشيات شيعية عمليات مسلحة ضدّ القوات الأميركية للضغط على الحكومة العراقية، ومنعها من الإرتماء الكلّي في خدمة السياسات الأميركية. كما في أفغانستان، نظرت إيران إلى الوجود الأجنبي في العراق، والمنطقة، بأنَّه هو السبب الرئيسي في عدم الاستقرار ، مما يعني، من وجهة النظر الإيرانية، إنّ الانسحاب الأميركي سيعقبه استقرار في العراق والمنطقة، وهو خلاف ما يراه الآخرون من العراقيين  والعرب وغيرهم ممن يخشون فرض إيران هيمنتها على الخليج، وشبه الجزيرة ، والعراق، الذي لم يخفِ الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد إعلان استعداد بلاده لملء الفراغ  الذي ستخلفه القوات الأميركية المنسحبة منه، وبالتالي جرِّ المنطقة إلى صراع بين دولها على النفوذ في العراق ، وباقي دول المنطقة ، إلاَّ أنَّ إيران هي الرابح الأول في كل ما قد يحدث، حيث باتت هي القوّة الإقليمية الكبرى دون منازع بعد غياب قوّة العراق ، وليس يعني كثيراً سواء أصدقت الرؤية الإيرانية بتحقيق الاستقرار بزوال السبب، الذي هو الوجود الأجنبي ، أو صدقت الرؤية المناقضة التي ترى أنّ الانسحاب الأميركي من العراق سيؤدي إلى فرض هيمنة إيرانية أحادية الجانب، ودخول العراقيين في صراعات سنية شيعية، أو عربية كردية، واحتمالات انتشارها إلى دول الجوار العربي والإقليمي ، مما سيؤدي إلى إعادة رسم جغرافية الشرق الأوسط الجديد بتشكل دويلات عرقية وطائفية، بدءاً من العراق، إلى تركيا وإيران وسوريا والكويت والسعودية وباقي دول الخليج العربي واليمن . لكن الأهم من كل ذلك، أنّ الانسحاب الأميركي من العراق يعني نهاية أي شكل من اشكال التهديد الخارجي المفترض لإيران، حيث زال التهديد العراقي بعد الاحتلال وتفكيك مؤسسات الدولة العراقية، خاصة مؤسسة الجيش بقرار الحاكم المدني لسلطة الائتلاف السفير بول بريمر، فيما تاريخيا لم تكن دول الخليج العربي تشكل تهديدا لإيران. كما أنّ احتمالات عودة التهديد العراقي، أو على الأقل بروز العراق كقوة إقليمية في معادلة التوازنات العسكرية في المنطقة، هي احتمالات غير واقعية، على الأقل، في العقود القليلة القادمة.

أبدت الولايات المتحدة، خلال فترة الاحتلال وبعدها، عجزاً كبيراً في مواجهة تصاعد التأثير الإيراني في العراق والمنطقة، في مقابل تراجع التأثير الأميركي إلى مستويات متدنية  باتت فيه الولايات المتحدة مثار سخرية حتى السياسيين الذين جاؤوا معها بعد الاحتلال، والذين لم يأبهوا للمقترحات الأميركية التي جاء بها جو بايدن نائب الرئيس الأميركي شخصياً لحل أزمة تشكيل الحكومة الثانية التي انتهت بإعادة تسمية نوري المالكي رئيساً للوزراء لدورة ثانية، فيما كانت الولايات المتحدة تفرض إملاءاتها على السياسيين العراقيين عبر الهاتف، كما في تعديل قانون الانتخابات وغيره. كان أبرز ملامح الاستهانة بالولايات المتحدة هو ما شهدته نتائج انتخابات آذار/ مارس 2010 وفرض مرشحين موالين لإيران، أو ينالون رضاها، على النقيض من العملية الديمقراطية التي أساسها الاحتكام إلى صناديق الاقتراع ونتائجها، وهي العملية التي بشَّرت بها الولايات المتحدة العراق والمنطقة، كما حرصت على الإعلان عن حمايتها وتضمين هذا في الاتفاقية الأمنيّة الموقعة مع الحكومة العراقية ، وهو ما يفسَّر على أنّه تخلي أميركي عن حلفائها وبعض أهدافها في العراق سيُخل بمصداقيتها في المنطقة والعالم، وإنها قدمت المزيد من التضحيات البشرية والمادية لتقدم العراق على طبق من ذهب إلى إيران  الذي لم يعد ثمَّة من يختلف على سقوط العراق بالكامل في دائرة النفوذ الإيراني، جغرافياً وسياسياً وأمنياً واقتصادياً وفكرياً وغيره، وهو ما كانت تنفيه الإدارة الأميركية فقط .

 

 

مواضيع قد تعجبك

التعليقات مغلقة.

إستفتاء جاري حاليا