عمر سعد سلمان : العراقي وهاجس التوظيف في الدوائر الحكومية..!!! | وكالة أخبار العرب | arab news agen
عمر سعد سلمان : العراقي وهاجس التوظيف في الدوائر الحكومية..!!!

  • الإثنين, نوفمبر 30th, -0001
  • 262 مشاهدة
حجم الخط

الكاتب /

العراقي وهاجس التوظيف في الدوائر الحكومية :
عمر سعد سلمان
عندما كنت طفلاً وانا في السادسة من عمري دخلت المدرسة ، كنت اسمع من اهلي ومن المحيطين بي ، وحتى في الشارع ، يا فلان ادرس وانجح لا ينفعك شيء غير الدراسة ! فأسئلهم لماذا ؟ يقولون : لأنك ستصبح انسان فاشل اذا لم تدرس !! انظر فلان استاذ جامعي وانظر فلان ضابط وانظر فلان مهندس وانظر فلان معلم وانظر فلان ليس لديه شهادة فهو فاشل !! تولدت فكرة منذ الصغر لدى كل عراقي ان الشهادة سلاح ، متى شئت صوبته باتجاه من تريد ، وكلما كانت الشهادة اعلى كلما كانت قدرة الردع أعلى !!! . فالشهادة في نظر العراقي الضمان الوحيد للوصول الى القمة في المكانة الاجتماعية والمال فهي تجمع ما بين المال والمكانة في آن واحد . لذلك اصبح التلميذ ازاء هذا الضغط الشديد المحيط به لا يهمه طلب العلم بمقدار ما يهمه (الترقي) فهو يريد ان يتسلق سلم المجد فيرتفع به عن طبقة ابيه . انه يتوقع ان يجد الطريق مفتوحاً امامه حتى النهاية ، لا مانع فيه ، فاذا وجد اي تعويق يقف في طريقه أعلن شكواه ودخل في عداد الناقمين المتذمرين . هذه الفكرة هي فكرة قديمة تعود جذورها الى تأسيس الدولة العراقية الاولى في عشرينات القرن الماضي ، عندما دخل البريطانيون العراق . كان العراق يمتلك عدد محدود من المدارس الابتدائية لا تتجاوز العشرات في جميع انحاء العراق وكان تعليمها بسيط جداً لا يتعدى العلوم الشرعية والحساب . لكن دخول البريطانيون العراق ادى الى حصول تحول سريع والتوجه نحو بناء دولة عصرية مدنية بعد ان كان العراق عبارة عن قرية كبيرة لا تتوفر فيها ابسط مقومات الحضارة في ذلك الزمان . وادرك البريطانيون ان بناء دولة مدنية لا يمكن دون وجود مؤسسات ، وهذه المؤسسات تحتاج الى موظفين متعلمين ، لكن المشكلة التي وجهت البريطانيين ان نسبة المتعلمين في العراق لا تتجاوز 2% ، لذلك كانت جهود البريطانيين تتركز في البداية في ضرورة فتح مدارس حديثة تدرس فيها مناهج تواكب التطور العلمي آنذاك . وبالفعل قام البريطانيين بمساعدة العراقيين في فتح هذه المدارس ، لكن المشكلة التي واجهت الملك فيصل الاول وجميع المهتمين ببناء الدولة العراقية ان رجال الدين اصدروا فتوى بتحريم التسجيل في المدارس الحكومية. ولقيت تلك الفتاوي هوى في قلوب العامة من الناس ، ولم يدخل في هذه المدارس الا عدد قليل من التلاميذ . ومما يجدر ذكره ان أكثر التلاميذ الذين دخلوا المدارس في أول الأمر ثم تخرجوا منها بعدئذ ، حصلوا على وظيفة في الدولة العراقية وأصبح لهم بين الناس مكانة مرموقة علاوة ما فازوا به من راتب ثابت . اخذت الرغبة لدى العراقيين في دخول المدارس تزداد تبعاً لازدياد الرغبة في الوظائف الحكومية ، وقد نشأ صراع نفسي لدى البعض من الناس بين دافعين متناقضين : الاول يغريهم بقبول الوظيفة والآخر يردعهم عنها . كان هذا الصراع ضعيفاً في البداية ثم بدأ بالزيادة عندما حل الكساد في الاسواق وبدأت الحرف اليدوية تهوى تجاه البضائع المستوردة ، لذلك توجه الناس نحو الوظيفة الحكومية بالرغم من تحريمها ، واخذ الذين رفضوا الوظيفة في أول الامر يندمون على ما فعلوا ، ويلوم بعضهم بعضاً . عند تأسيس الدولة العراقية كانت الوظائف ميسورة في متناول كل رجل يعرف القراءة والكتابة ثم أخذت تصعب شيئاً فشيئاً ، وكلما زاد تهافت الناس عليها اشتدت صعوبة الفوز بها . وفي عام 1929 اندلعت الازمة الاقتصادية العالمية ، واصبحت الوظيفة الحكومية حلماُ بعيد المنال لا يفوز بها الا ذو حظ عظيم . وصار الكثيرون من الناس يبذلون ماء وجوههم في سبيل الحصول على وظيفة ، ولا ينالونها الا بشق الأنفس . مشكلة أبناء الجيل الجديد في العراق أنهم آمنوا بمقولة (من جد وجد) أيماناً غير محدود واعتبروه مفتاح النجاح وسبيل العظمة في كل مجال . فهم اذا دخلوا المدارس كان طموحهم عالياً ، فآباؤهم وامهاتهم من ورائهم يحرضونهم على بلوغ المجد ، والمدرسون يمطرونهم بالأشعار والمواعظ الحماسية التي تريهم المستقبل مفتوحاً بين أيديهم ، ولكن هؤلاء المتفائلين سيرتطمون بصخرة الواقع عاجلاً ام آجلاً ، لان بعضهم يفشل اثناء مرحلة الدراسة ، ومنهم من يفشل عند خروجه الى الحياة ، عدها سيشعرون بخيبة الأمل ويبدأون بالبحث عن سبب يعزون اليه فشلهم . الكثير من التلاميذ لا يحبون ان يعترفوا بحقيقة الفشل بل يعزوا تلك الحقيقة الى سبب خارجي كأن يتهم المدرس بسوء التدريس او هناك عداوة بينه وبين المدرس ، اما في حاله تخرج التلميذ وعدم حصوله على الوظيفة المنشودة فهو يشعر بالامتعاض من الوسطاء الذين ساعدوا غيره ولم يساعدوه . فهو يعتقد انه اذكى الناس لكن الاوضاع الشاذة هي التي عرقلت نجاحه !! ولولا ذلك لاستطاع أن يخدم الامة والوطن ، ولما ضاعت عبقريته هذا الضياع !!! وبعد ارتفاع اسعار النفط العالمية في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي ، بدأ الوضع الاقتصادي للعراق يتحسن بصورة سريعة ، وكانت سياسة الدولة الاقتصادية تعتمد على مبدأ الاشتراكية بأن الدولة هي المسيطر على جميع القطاعات الاقتصادية وهي المسؤول الاول على توفير السلع والخدمات لكافة المواطنين . فتوجه الناس نحو الاعتماد على الوظيفة الحكومية ، ولم يبقى احد يفكر في العمل الحر او الحرف اليدوية حتى ان تلك الفترة تكاد لا تجد عراقياً يعمل في تلك المهن ، لذلك تدفق الى العراق العمال المصريين للعمل في تلك المهن . لكن احداث 1990 وما تبعه من عقوبات اقتصادية على العراق ، لم يغير توجه العراقيين نحو الاعتماد على الدولة رغم ضعف قدرتها بالايفاء بالتزاماتها السابقة . وبعد عام 2003 وبالرغم من تحول العراق من النظام الاشتراكي الى نظام اقتصاد السوق الذي يعتبر الدولة تاجر فاشل وان القطاعات الاقتصادية لا تنمو الا عن طريق الطبقة البرجوازية ، لكن الواقع كان يختلف حيث زادت رغبة العراقيين في التوجه نحو القطاع العام بعد ارتفاع عائدات النفط العراقي نتيجة لزوال العقوبات الاقتصادية حيث شهدت تلك الفترة قيام الحكومة العراقية بتوظيف الآلاف من الناس على القطاع العام ، كما قامت بإعادة تعيين العديد من المتقاعدين او المفصولين من الوظائف ، ووصلت الوظائف الحكومية الى الذروة عام 2006 حيث استغل بعض المسؤولون الحكوميون الفرصة وقاموا بتعيين الآلاف من الناس لدعم حملاتهم الانتخابية وتشكيل قاعدة جماهيرية لهم . لكن ازمة الرهن العقاري الامريكي التي حدثت في عام 2009 والتي ادت الى انهيار اسعار النفط العالمية ، قد أضعفت قدرة الحكومة العراقية على استحداث وظائف في القطاع العام ، كما اضعفت قدرتها بالايفاء بالتزاماتها في دعم قطاع الزراعة والصناعة اللذان يملكان قدرات تشغيل عالية ، بعد ان انفقت المليارات بالفترة ما بين 2003-2009 . البنك الدولي قدم العديد من الدراسات اكد فيها ان تراكم العجز في الميزانية العراقية سيحدث بسببه انهيار للوضع الاقتصادي بحلول عام 2017 اذا لم تتخذ الحكومة العراقية خطوات جادة في تخفيض الانفاق العام الذي يذهب 75% من الميزانية كرواتب . ومع ذلك فلا يزال العراقيون يرغبون في الحصول على وظيفة في القطاع الحكومي لان احلامه وطموحاته متوقفة على الوظيفة ، ولا يستطيع الزواج او السكن او شراء سيارة الا بالوظيفة ! . العراقي خلال فترة شبابه في هذه السنوات يعيش في تناقض واضح بين فكرتين ، الفكرة الاولى التي بدأت منذ عشرينات القرن الماضي وبأن الوظيفة هي الضمان الوحيد للعيش بحياة كريمة او على الاقل هي ضمان لادنى للمعيشة ، فهو يردد مقولة (قليل دائم خير من كثير منقطع) ، والفكرة الثانية : انه لا توجد وظائف حكومية اصلاً . وقد شاهدت الكثير من الشباب تعرضوا لصدمات نفسية بعد التخرج من الجامعة وأصيب الكثير منهم بأمراض نفسية وقلق دائمين .
مقال خاص لوكالة اخبار العرب عمر سعد

مواضيع قد تعجبك

التعليقات مغلقة.

إستفتاء جاري حاليا