تمخض الجمل فولد… وزارة | وكالة أخبار العرب | arab news agen
تمخض الجمل فولد… وزارة
  • الأربعاء, يوليو 3rd, 2019
حجم الخط

الكاتب /

تمخض الجمل فولد … وزارة

بقلم: د. سعد ناجي جواد

قبل ايام قليلة صوّت مجلس النواب العراقي بالموافقة على وزيرين لوزارتين سياديتين هامتين ظلتا شاغرتين منذ نهاية عام 2018 (عندما اُقِرت الوجبة الاولى من الوزراء في اخر لحظة خشية ان تنقضي المدة القانونية مما كان سيضطر المشاركون في العملية السياسية الى إعادة الأنتخابات)، و بعد ان أمضوا أربعة أشهر وأسبوعين في البحث عن مرشح متفق عليه لهذا المنصب. علما ان ترشيح السيد عادل عبد المهدي كرئيس للوزراء جاء مخالفا للدستور (وهذا ليس دفاعا عن هذه الوثيقة المقيتة التي كتبت في الخارج) و الذي نص على ان يكون المرشح من الكتلة الأكبر في البرلمان. فلقد اختارت الكتل مرشحا من خارجها وليس من الكتلة الأكبر، والاطرف في الموضوع ان من تم إختياره لم يرشح نفسه بالأساس في الأنتخابات وبالتالي لم يكن من ضمن أية كتلة فائزة في البرلمان. المهم ان السيد عبد المهدي، الذي أشيدَ به، خاصة من أطراف العملية السياسية، على انه سيكون (المنقذ للعراق)، من كل كوارث ما بعد الإحتلال، والتي بالمناسبة كان السيد عبد المهدي نفسه طرفا فيها، وعد العراقيين بانه سوف لن يخضع لأية ضغوط وانه سيحارب الفساد وانه، وهذا الاهم، سوف يعتمد الكفاءة والمهنية في اختيار الوزراء. منذ البداية كانت هناك شكوك حول هذه الوعود، ليس بسبب أن الرجل قد تمت تجربته سابقا ولم يظهر ما يؤيد إنطباع من أشاد بدوره، وإنما لسبب بسيط آخر هو ان هذه المشاكل أصبحت من الضخامة بحيث ان من يتصدى لها يجب ان يكون شخصا حازما وغير متردد ومعتمدا على قوة تسنده ووزارة ووزراء نزيهين و قادرين ان يدعموه و يدعموا برنامجه (غير المفهوم أصلا) بقوة وان يكونوا هم ايضا قادرين على ان يديروا وزاراتهم بطريقة بناءة و تخدم العراقيين والعراق بكل كفاءة ونزاهة.
بعد مرور أكثر من ستة أشهر على عمر الوزارة يمكن تسجيل ملاحظات جدية عليها تستحق المناقشة. اولا انها جاءت (بالتقسيط المريح)، حيث تم استكمالها على مراحل، ولحد الان هناك جدل وتجاذب حول استكمالها. ثانيا انها جاءت بناءا على ترشيح الأحزاب، وليس حسب اختيار رئيس الوزراء كما وعد؛ الملاحظة الثالثة والاهم ان السيد عبد المهدي رضى بمنح حقائب وزارية الى وزراء تحوم حولهم شبهات فساد كبيرة، وشبهات اكبر على الجهات التي رشحتهم، ناهيك عن كون عدد غير قليل منهم لا يتمتعون بالكفاءة، ولعل أحدث مثال على ذلك هو اداء و كلمة وزير جديد لوزارة سيادية ومهمة اثناء احتفالية تسلمه المنصب، الذي تم إختياره لها بعد ستة أشهر من التجاذب بين الكتل، والتي وقف رئيس الوزراء موقف المتفرج منها. علما بأن هناك إصرارا على تعيين وزراء، أقل ما يمكن أن يقال عنهم بأنهم ضعفاء وليسوا بمستوى هذه الوزارة الهامة و الحيوية، و السبب معروف و لا يخفى على كل متابع. اما المثال الآخر فيمكن أن يكون ما تم تسريبه من معلومات قيل أنها صادرة من ديوان الرقابة المالية تقول ان المبلغ الاجمالي لنفقات سفر (إيفادات) اربع وزراء فقط خلال الستة اشهر الاولى من عمر الوزارة الحالية كان اكثر من مليارين ونصف المليار دينار عراقي – أكثر من مليوني دولار- (تكفي لبناء ثلاث أو أربع مدارس في الأقل)، وإن واحدا منهم فقط اوفد نفسه 78 مرة خارج العراق و على نفقة الدولة، أي بمعدل 13 سفرة في الشهر، وإذا كانت هذه المعلومات صحيحة، و أن كل سفرة تستغرق يومين في الأقل، فان ذلك يعني بعملية حسابية بسيطة، انه قضى اربعة ايام في العراق في الشهر وربما في وزارته، إذا لم يتصادف وجوده مع عطل أسبوعية او رسمية. طبعا هناك من سيقول ان هذا المبلغ تافه مقارنة بحجم الفساد في العراق، وهذا صحيح جدا، إلا أن ذكره إنما أُريد منه توضيح درجة إهتمام وزراء ما بعد الأحتلال بعمل وزاراتهم.
فيما يخص محاربة الفساد فكل الشواهد تدلل على ان رئيس الوزراء الجديد فشل لحد هذه اللحظة في محاربة هذه الآفة وفي احالة ملف فساد واحد للقضاء، (وهذا نهج ليس بالجديد واتبعته كل الحكومات السابقة). إلا أن الجديد أن السيد عبد المهدي ميز عهده بكونه العهد الذي أعطى الأنطباع الأسوأ دوليا عن العراق في هذا المجال، بعد ان تم تهريب إثنين من المسؤولين الفاسدين السابقين الكبار تم إلقاء القبض عليهما من قبل الشرطة الدولية (الإنتربول)، ولا ادري كيف أن هذه المنظمة الدولية المحترمة ستاخذ بنظر الأعتبار في المستقبل اي طلب مقدم من العراق لالقاء القبض على او ملاحقة فاسدين كبار اخرين هاربين خارج العراق وما أكثرهم. واذا صح القول ان الولايات المتحدة قد ساهمت في تهريب احدهما كونه يحمل الجنسية الامريكية، فهذه ستكون الحالة الثانية التي تفعل فيها الولايات المتحدة ذلك علنا. كما أن هناك ما يشير الى حرص إسرائيلي اكبر لإنقاذ هذا المسؤول بسبب مكانته في جمعية الصداقة الإسرائيلية-الكردية، وكونه رئيس فرعها في واشنطن. كما قيل ان رئيس الوزراء الحالي ورئيس وزراء سابق ومسؤولين كبار من اقليم كردستان كلهم إتهموا بالتدخل لدى الحكومة اللبنانية، التي تم على أرضها القاء القبض، من اجل إطلاق سراح هذا المسؤول الفاسد، و هذه أمور ذكرتها الصحافة اللبنانية. أما المسؤول الفاسد الثاني فلقد نُشِرَ ما يؤلم النفس ويجرح المشاعر الوطنية صور عن الطريقة التي تم أستقباله فيها من قبل أحد قيادات الحشد الشعبي قبل أن يتم تهريبه خارج العراق. من ناحية اخرى فان الحكومة وقفت، ولا تزال، عاجزة عن معالجة تغول المليشيات المسلحة وخاصة في المدن المحررة من تنظيم داعش الإرهابي، ومن عمليات السرقة فيها والأختطاف والأعتقال العشوائي، بل وحتى القتل. و سكتت عن عمليات تهريب النفط المستمرة، ولم تنجح في ضبط المنافذ الحدودية التي لا يصل لخزانة الدولة الا الفتات البسيط مما تستحصله هذه المنافذ، لا بل وصل الأمر الى أن تقوم عصبات و ميليشيات مسلحة بإقامة منافذ حدودية وحواجز لجمع الاتاوات لصالحها و حسب ما ترتاي. كما سكتت عن فساد مجالس المحافظات، وساعدها في ذلك مجلس النواب الذي وافق مؤخرا مثلا على تمرير ترشيح محافظ قيل الكثير عن فساده وعن ثمن شرائه لهذا المنصب، ولم يتم أي تحقيق للتاكد من هذه الأتهامات التي بالمناسبة صدرت من نواب في البرلمان. و هناك امور اخرى كثيرة قد يتطلب الحديث عنها مقالات ومقالات. إلا أن أكثر ما يثير الأستغراب، بل و الأسف، هي الطريقة التي تعامل فيها السيد رئيس الوزراء مع الكوارث التي حلت و تحل بالثروة الوطنية وخاصة الغذائية التي تمس حياة العراقيين اليومية، مثل نفوق كميات هائلة من الأسماك بسبب حالة تلوث غريبة لمياه الأنهار، و حرق محاصيل الحنطة و المزارع قبل و أثناء حصادها، وبعد أن أعلنت وزارة الزراعة عن جودة و وفرة في الانتاج و أن العراق حقق إكتفاءا ذاتيا للسنة القادمة. فبعد قصص ونظريات كثيرة (إتسم بعضها بالغرابة) طرحها المسؤولون على أسماع الناس لتبرير هذه الكوارث، التي في النهاية تركت العراقيين في حيرة عن أسبابها ونتائجها المُرَوِعة، ظهر السيد عبد المهدي ليطلب منا أن لا نضخم هذه الأمور التي هي من وجهة نظره أمور طبيعية و تحصل في كل دول العالم، هكذا بكل بساطة كان التعويض الذي قدمه للمزارعين و أصحاب بحيرات الأسماك المنكوبين والذين خسروا كل ما يملكون، ناهيك عن خسارة الأقتصاد العراقي لثروات وطنية هائلة وفقدان مصادر مهمة من مصادر الغذاء اليومي للناس.
من ناحية أخرى فأن كل هذه المصائب لم تدفع الأحزاب و الكتل المشاركة في العملية السياسيىة للتفكير بمخارج و حلول جدية لها، بل على العكس فهي لا تزال مستمرة في منابزاتها وصراعها على ترشيح من يخدم مصالحها ومن يسهل عليها الأستحواذ على المال العام، و في أحاديثها التي لا تمت بصلة للواقع و المآسي العراقية. الطريف في الأمر أن كل أطراف العملية السياسية مستمرين في شكواهم من رداءة و تدهور الأمور في العراق. حدثني ثلاثة أصدقاء، كل على حدة عن لقاءات جمعتهم مع مسؤولين (كبار) من سياسيي عراق اليوم، قال الأول ان من التقاه و بعد أن إشتكى من الوضع المزري الذي تمر به البلاد ملقيا اللوم على مكونه الذي خذله، فإنه قرر أن يشكل تكتلا جديدا معارضا!!! علما بأن هذا المسؤول لا يزال يطمح الى الحصول على منصب سيادي، و لديه من يمثله في الحكومة، وهذا بالمناسبة ما صرح به مسؤول آخر عندما قال أنه سيذهب الى المعارضة، وهو الآخر يراس تكتلا حصل على مناصب وزارية، والأهم أنه لا يزال يتنافس على مناصب مدراء عامين و وكلاء وزارات وسفراء. و لا أدري كيف يكون معارضا من هو جزء من الحكومة. اما الصديق الثاني فلقد أخبرني أنه إلتقى مصادفة برئيس تكتل كبير والذي بادره بالشكوى من تدهور الأمور في العراق و ذهابها الى متاهات قد تكون مأساوية، و لما أبدى المسمتع إستغرابه لهذه الأقوال من شخص متنفذ في العملية السياسية، أجابه بأنه مكبل اليدين و لا يستطيع أن يفعل شيئا، لكن هذا (التكبيل) لم يمنعه من ترشيح وزراء فاسدين أو غير كفؤين لوزارات حساسة. اما الصديق الآخر فأخبرني أن أحد رؤوساء الكتل الذي قيل الكثير عن فساده أتصل به كصديق قديم وطلب أن يلتقيه، وعندما فعل ذلك سمع منه نفس النغمة من الشكوى من ما يجري في العراق، وعندما رد عليه الصديق بالقول أنه إذا كان يشعر حقيقة بذلك لماذا لا يستقيل و يعلن على الملأ أسباب إستقالته، أجابه بأنه يخاف على حياته إذا ما فعل ذلك!!! إلا أن هذا المسؤول لم يعترف بالسبب الحقيقي لرفضه الأستقالة، و هو رغبته الجامحة في البقاء على الكرسي، و الأهم إستمراؤه و إستسهاله للسرقة و للإثراء غير المشروع، و طالما لا يوجد من يحاسبه فلماذا الأستقالة؟
أما الحديث عن الوضع العراقي في ظل الصراع الأيراني الأمريكي، فإن مآلاته أخطر على العراق في ظل تزاحم الأطراف المؤيدة لإيران على زج العراق في اتون هذا الصراع. و ياليت هذا الموقف المؤيد إقتصر على الدعم السياسي، و رفض فكرة شن حرب جديدة في المنطقة، وإنما تعداه للأعمال المسلحة و التصريحات النارية. و كانت قمة النفاق السياسي هي في عملية رفع الأعلام الفلسطينية، (عندما تمت مهاجمة سفارة البحرين في بغداد إعتراضا على الفعالية المرفوضة التي اقيمت على أراضيها لتمرير (صفعة القرن) المشبوهة)، من قبل جماعات و ميليشيات لم تدخر إسلوبا منافيا للأخلاق ولحقوق الأنسان وللقيم العربية الاصيلة، إلا و أستخدمته بعد عام 2003 ضد الأخوة الفلسطينين المقيمين في العراق، من قتل و تهجير و إعتقال و تعذيب و سلب للمتلكات. امام كل هذه التحديات وقفت الحكومة العراقية موقف المتفرج العاجز. وأخيرا فلقد نشر أحد قادة الأحزاب الدينية السابقين من العارفين ببواطن الأمور حديث له مسجل (فيديو) أكد فيه ما كان يتردد كثيرا عن (صورية) منصب السيد عبد المهدي، وعن حقيقة أن من يسير الحكومة هو مدير مكتب رئيس الوزراء السيد أبو جهاد الهاشمي (محمد عبد الرضا الهاشمي) و الذي قال عنه أنه معين من قبل إيران لهذا المنصب. وهذا الحديث أكد ما هو متداول بين الناس أن السيد الهاشمي هو الذي يُجري اللقاءات و يصدر الأمور، لا بل وصل الأمر بأحدهم أن يؤكد أن الهاشمي لا يسمح بعقد أي إجتماع في مجلس الوزراء إلا إذا كان بحضوره.
لا أدري كم يمكن أن تستمر دولة كهذه وفي ظل هذه الاوضاع المأساوية، وهل ستسطيع التظاهرات الغاضبة التي إنطلقت اليوم في المحافظات الجنوبية أن تحقق شيئا ما؟ أم أنه سيجري قمعها كسابقاتها، وسيتم دعم الحكومات و مثيلاتها في المستقبل بمساعدة إيرانية أمريكية لسبب بسيط أن هذين الطرفين يريدان عراقا بمثل هذه المواصفات المحزنة.
اكاديمي وكاتب عراقي

مواضيع قد تعجبك

أترك تعليق

إستفتاء جاري حاليا