اختفى جمال جاشقجي داخل قنصلية عليها علم السعودية يرفرف، بينما وسائل إعلام بلاده منشغلة برسم الفرح، حتى بعد أن اختفى أثر الرجل بأيام ظل الصمت مطبق، وفي اليوم السادس قرروا التغطية، لكن بزوايا مختلفة؛ فلم يسلم مواطنها حتى في اختفائه من المقالات التي توحي بتورطه في مصيبته التي حلت به، ولم تسلم خطيبته التي وُصفتها صحيفة “عكاظ ” بـ”المرأة اللغز”، كذلك لم تسلم قطر وتركيا.

تجاهل فنفي فتحريض

وفق هذه الاستراتيجية جدد المسلسل السعودي الهزلي نفسه خطط التمييع الذكي، فبينما تعالت موجة الإدانات والمطالبات بالكشف عن مصير الصحفي المختفي، بقي الإعلام السعودي صامتًا ومتجاهلاً سنوات الزمالة التي قضاها خاشقجي فيه كصحفي، ولم تتعامل “أبواق” المملكة مع القضية إلا في إطار ما نشرته وكالة الأنباء الرسمية “واس” في اليوم ذاته، من أن الإنتربول السعودي استرد مواطنًا سعوديًا مطلوبًا في قضايا احتيال بشيكات دون رصيد.

العقل المدبر في الإعلام السعودي يبتكر مقاربات تخلص في مرادها بأن تُلبس من يدافع عنه التهمة أكثر، بدل نفيها

هذه الرواية ظلت تردد حتى صدرت تصريحات ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لوكالة بلومبيرغ الأمريكية، أن خاشقجي غادر السفارة، ليتناول الإعلام بعدها القضية في ضوء هذه التصريحات مع التركيز على تجريد خاشقجي من صفته كصحفي بارز، في حين تناولت وسائل الإعلام التركية على نطاق واسع التطورات، متحدثة عن “لغز صحفي مختفٍ في إسطنبول: أين هو الصحفي السعودي جمال خاشقجي؟”.

لكن العالم بمن فيه من رؤساء ووزارات خارجية ونواب وبرلمانات وصحف ظلوا يسألون: “أين خاشقجي؟”، بينما العقل المدبر في الإعلام السعودي يبتكر مقاربات تخلص في مؤداها بأن تُلبس من يدافع عنه التهمة أكثر بدل نفيها، مثل الإدعاء بغياب مسؤول سياسي عن المشهد في قطر، أو الحديث عن أن الصحفيين يُقتلون في كل العالم، فإن أُخفي خاشقجي أو قُتل فلا مشكلة، فذاك مصير صحفيين اختاروا البحث عن المتاعب.

لم تنجح خطط التمويه في وقف الأسئلة ومطالبة عواصم عدة بإيضاحات عاجلة من السعودية

وقبل أن تبرد الإدانات الواسعة لاختطافه والمطالبات بالكشف عن مصيره، استعاد الإعلام السعودي “لعبته” بعد أن كشفت وسائل إعلام تركية أن “جمال خاشقجي قُتل في القنصلية وأُخرج منها جثّة”، فبدأ بالتحريض ضد الإعلام الذي يطالب بمعرفة مصير خاشقجي، متهمًا “خفافيش الظلام” بترويج الأكاذيب للنيل من المملكة، وأبرزها ما جاء في صحيفة عكاظ التي نشرت مادة تحت عنوان: “اختفاء خاشقجي.. عشرات الروايات الكاذبة والحقيقة واحدة”.

استعاد الإعلام السعودي “لعبته” بعد أن كشفت وسائل إعلام تركية أن “جمال خاشقجي قُتل في القنصلية وأُخرج منها جثّة”

لكن خطط التمويه لم تنجح في وقف الأسئلة ومطالبة عواصم عدة بإيضاحات عاجلة من السعودية، وهذه عبارة تزعج في العادة وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، الغائب تمامًا عن الصورة، فلم يرد أو يوضح أو ينفي، وأوكل المهمة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان وشقيقه خالد سفير الرياض لدى واشنطن، اللذان تصدرا بشكل لافت المشهد الإعلامي.

وبدا الإعلام السعودي غارقًا تمامًا في مهاجمة قناة “الجزيرة” ورمي التهمة هنا وهناك، أو تحريف لتصريحات مستشار الرئيس التركي ياسين أقطاي يُلمح فيها عن “دولة عميقة” في السعودية، فيقولون إنه يتحدث عن تركيا، فيرد الأول مصصحًا قولاً لم يقله آنيًا: “لا يوجد في تركيا دولة عميقة، إنما تركيا دولة واحدة، ونوصي السعودية التخلص من الدولة العميقة فيها التي يشتبه أنها تقف وراء هذا العمل”.

المصدر: فريق نون بوست