البصرة المتآمرة على نفسها | وكالة أخبار العرب | arab news agen
البصرة المتآمرة على نفسها

  • الخميس, أغسطس 30th, 2018
  • 105 مشاهدة
حجم الخط

الكاتب /

البصرة المتآمرة على نفسها

بقلم المفكر العربي العراقي
الدكتور جعفر المظفر

منذ أن بدأت الأمور تصل إلى حد مأساوي لا يطاق وأنا أسمع أن هناك مؤامرة ضد البصرة وأهلها. مؤامرة مَن .. ؟! ضد مَن ؟! وحق الله لا أدري.. الذي أدريه أن المؤامرة بطبيعتها هي تلك التي يدبرها طرف ضد طرف يعاديه أو ينافسه على زعامة أو مال أو ما شابه, أما نحن فنعرف جميعا أن البصرة تخضع لإدارة نفس رجال الحركات والأحزاب التي تحكم العراق برمته, أي أنها ليست محكومة من حزب كأن يكون (الشيوعي) يعادي حزب يحكم بغداد كأن يكون (البعث). على العكس من ذلك فرجال النظام في بغداد هم أنفسهم رجال النظام في البصرة حتى بمسطرة التوصيف الطائفي.
إن ما يحدث في البصرة هو نفسه الذي يحدث في الناصرية وفي الحلة وفي بغداد في أربيل وسليمانية, غير ان تمظهراته تختلف نتيجة لإختلاف طبيعة البصرة ذاتها, أما الأسباب الحقيقية فهي ذاتها وأما المؤسسة المسؤولة فهي نفس مؤسسة النظام. لقد قطعت إيران نهر الكارون عن شط العرب لأنه يصب في شط العرب ولا يصب في نهر ديالى. قصة الصلة الطائفية والمذهبية لم تنفع مطلقا لأن النظام الإيراني لم يتردد بالأمس من القصف اليومي للبصرة الناس والشوارع والبيوت طوال سنوات الحرب الثمان.
القصة الحقيقية ان ماساة البصرة هي جزء من مأساة العراق رغم الإختلاف في تمظهرات المأساة ذاتها لإختلافات ثانوية خاصة بطبيعة البصرة. أما المأساة نفسها فهي نتيجة لفساد وعمالة وتبعية النظام الحاكم في العراق بصفته الإتحادية والفدرالية, بحكومته المركزية وبمجالسه المحلية, بعربه وأكراده وتركمانه وحتى بيزيديه, بمسلمية ومسيحييه وعلمانييه وأتباع حوزته, بسنته وشيعته وعلمانييه ونصف علمانييه. برجاله الحاكمين أو بنسوته المتمترسات المتخلفات, بمتطرفيه ومعتدليه.
إن مجموعة الحكيم الأكثر نفوذا في البصرة ليست أكثر شرا من مجموعة العبادي المترئسة للحكومة وليست أقل شرا من مجموعة المالكي وليست أهون ضررا من مجموعة الصدر وليست أقل تخريبا من مجموعة البارزاني في أربيل او الطالباني في السليمانية.
كل هؤلاء الذين تربوا في مواخير لندن وباريس ونيويورك أو الذين إلتحقوا بهم من أشرار وإنتهازية وحرامية الداخل هم مسؤولون عن خراب العراق الذي يجسد نفسه في ضياع الموصل ودمارها, أو في خراب البصرة وإنهيارها, أو في ما بين هذه المأساة وتلك التي شملت كل مدن وقصبات العراق حتى كأن هذا الأخير بات مسرحا لعرض مسرحية عنوانها كيف تقضي على بلد عمره خمسة آلاف عام بعقدين من السنوات وليس أكثر.
البصرة ليست إستثناء وليست المظلومة لوحدها من مدن العراق. لقد جاع الإنباريون قبلها, وتهدمت الموصل ونُحر أهلها وتمزقت ديالى ودمرت ضواحيها وتعرضت شوارع بغداد وما زالت إلى مشاهد موت متنقلة, وكادت كركوك أن تحترق وما زال مشروعا للمساومة على تشكيل الحكومة وكأننا في سوق لبيع الوطن في سوق الخردة والمزاد والمقايضة. أما أهل الجنوب والوسط فلم يتبق لهم غير تنظيم المواكب الراجله إلى حيث قبور الأئمة الذين إستشهدوا جميعهم رفضا للظلم والضيم فإذا بمدعي محبتهم يجسدون مشهد الإنقياد المذهل للظلم والضيم.
إن ما يجري للبصرة ليس مؤامرة أو إغتيال لها بغفلة أو نتيجة مؤامرة أو مكيدة دبرت بليل. بل لعل عطشها وجوعها وضياع شبابها وعجزهم عن إيجاد فرص للعمل وجفاف أنهارها وموت نخيلها وتردي زراعتها وجفاف أهوارها ووقوف أحد عجائزها وهو يرثي نهر البصرة والعشار وتسمم الألوف من مائها الذي كنا نشربه من أنهارها بشكل مباشر فإذا بها لا تعثر على شربة ماء بعد عشرات من مليارات الدولارات التي أتت كمدخولات لنفطها.
إن ما يجري للبصره يتحمل مسؤوليته أهل البصرة أنفسهم, فلقد قامت البصرة بقتل البصرة عن سبق إصرار وتعمد وترصد.
ولقد آن الأوان لكي يفهم الجميع, وفي المقدمة أهل البصرة أنفسهم أن النظام الذين ساهموا بتصنيعه وكانوا في مقدمة من راهن عليه, وأن أحزاب الإسلام السياسي والعمائم التي تركت جوامعها وحوزاتها وجميع مستويات ثقافة اللطم والمواكب الراجلة التي تشكو همها لأبي الشهداء الحسين ثم تعود أدراجها مؤمنة بقضاء الله وقدره. إن كل هؤلاء جميعا مسؤولون مسؤولية مباشرة عن مأساة البصرة التي بلغت من الهول ما يكفي لتعريف الجميع باصل المشكلة وطريقة الحل.
إن من تآمر على أهل البصرة أولا هم أهل البصرة الذين إرتضوا أن يكونوا جزءا من نظام متعفن سارق تابع وعميل, وما لم يفهم أهل البصرة مأساتهم بعقل المجرب الحكيم الرافض للأسباب الحقيقية التي أدت إلى الماساة مع تشخيص للحلول الجذرية التي تشكل جزءا من خارطة تغيير عراقية, فإن البصرة سيكن حالها مثل حال مدن العراق الأخر.. وكم من بلد زال وكم من أرض صارت خراب, ولن يكون العراق إستثناء. بل لعل مطلب خرابه وحتى زواله صار على مرمى حجر أو أدنى.

مواضيع قد تعجبك

أترك تعليق

إستفتاء جاري حاليا